باستثناء الأحداث المؤسفة المتواصلة في سوريا واليمن فإن خطوات كثيرة قد أنجزت في التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في معظم الدول العربية التي تشهد تغييرات ملموسة في نظم الحوكمة.

لقد مرت الدول العربية بمسارات مختلفة للوصول إلى هذا التحول فمنها من شهد ثورات أطاحت بأنظمة حكم لم تتمكن من التكيف مع التغيير، ومنها من يشهد مراحل تحول ديمقراطي سلمي ومنهجي وتعزيز المؤسسات الديمقراطية الدستورية ومنها من يراقب بحذر ما يحدث في المحيط العربي أملا في الاستفادة من أفضل التجارب والدروس وتجنب اسوئها.

لا تزال التحولات الديمقراطية في العالم العربي مفتوحة على كل الاحتمالات ومشروعا لم ينجز بعد، ولكن بات هنالك توافق على عدة مبادئ ومنها ضرورة اللجوء لصناديق الاقتراع لتحديد خيارات الرأي العام وتغيير اساليب إدارة الدول لتصبح أكثر شفافية وفعالية، والالتزام بالحريات العامة والمدنية ورفض كافة اشكال التسلط والقهر والظلم والتعصب مهما كان مصدرها. في المجمل تبدو التطورات إيجابية ولكن هنالك الكثير من التساؤلات والمخاوف من سوء استغلال الديمقراطية أو التحول من شكل من أشكال الحكم التسلطي إلى شكل آخر.

وفي هذا السياق، فإن تجربة مشاركة الإسلاميين في الحكم تبدو أساسية في تحديد مسارات مستقبل الدول العربية، فإذا تمكن الإسلاميون من النجاح عن طريق تقديم نمط متميز من إدارة الدول والالتزام بالحقوق المدنية والاجتماعية والعلاقات الدولية، فإن ذلك سيصنع تحولا استراتيجيا مهما، أما إذا فشل الإسلاميون وأصروا على الالتزام بنموذج إقصائي ورجعي ومعادٍ للحريات العامة فإن ذلك سيشكل نكوصا إلى الوراء وربما استعادة لمفردات الصراع الداخلي من جديد.

لم تعد الشعوب العربية تقبل بالحد الادنى من كفاءة الحكم ولم تعد تقبل بالفساد وسوء الإدارة. وفي المقابل تباينت مواقف واستجابات الحكومات لهذه التحركات الشعبية، فالانظمة التي صمت آذانها وأعمت عيونها عن رؤية الحقيقة جرّت شعوبها إلى دوامة من العنف والدماء والتدخل الخارجي بينما تمكنت الأنظمة والحكومات التي تعاملت بحكمة مع الموقف من تحقيق التحول الديمقراطي المنشود دون عنف وبالحد الأدنى من الخسائر السياسية والاقتصادية.

الدول والأنظمة والشعوب التي توافقت على التعاون لتحقيق أهداف التحول الديمقراطي هي التي سوف تحصد أهم مكاسب الربيع العربي وتضع لنفسها مكانا على الخارطة الجديدة للمنطقة بينما سوف تتسبب الأنظمة التي تعادي حقوق شعوبها في المزيد من التعطيل لقدراتها الاقتصادية والإنسانية وتؤدي إلى عدة خسائر تعيد هذه الدول سنوات إلى الوراء.

في يوم جمعة جديد ستخرج الشعوب العربية إلى الشوارع. منها من يستمر في المطالبة بالمزيد من الإصلاح ومنها من يعمل على المشاركة في رسم مستقبل جديد عن طريق الانتخابات والمشاركة الشعبية، ومنها من يستمر في تقديم تضحيات جسيمة في مواجهة أدوات قمع تستخدمها أنظمة خارج التاريخ والمستقبل. ولكن كل خطوة نحو مستقبل أفضل تبدو مهمة، ويبقى مسار التغيير غير قابل للتراجع عنه وهي حقيقة يجب أن يفهمها من هم في موقع المعارضة حاليا لأنهم قد يصبحون في مواقع السلطة قريبا ويجب ألا يكرروا أخطاء الحكومات والأنظمة السابقة.