إنها جمهورية السِجال من دون منازع، لا بل نكاد أن نقول إنها جمهورية الحكي المتواصل، ودائماً أسأل نفسي:
هل سياسيو البلدان الأخرى يتحدثون يومياً كما هي الحال عندنا؟
هل تمتلئ الصحف عندهم بتصريحات الوزراء والنواب وحتى الرؤساء بشكل يومي؟
أحدثُ سجال هذه الأيام هو الدائر بين أعضاء الحكومة، فرئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، الذي يملك أكبر كتلة وزارية في هذه الحكومة، يُعلِن أن معركته هي معركة إصلاحات، فيرد عليه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، عبر موقعه على تويتر بأن ليس كل مَن ينادي بالإصلاح هو إصلاحي.
بالتأكيد فإن هذا الموقف سيستدعي رداً من العماد عون، وهو السريع الردود، ولكن إلى أين يسير البلد في ظل كل هذه السِجالات؟
إن على عاتق المسؤولين والسياسيين تقع مسؤولية خلق (ميثاق شرف) يؤدي إلى وقف هذه السِجالات ليرتاح البلد، ولكن كيف بالإمكان التوصل إلى هذا الميثاق في ظل المعطيات والوقائع التالية:
خلاف غير مستتر بين حزب الله ورئيس الحكومة على خلفية تمويل المحكمة الدولية حيث ان رئيس الحكومة كان مصراً على التمويل فيما حزب الله كان يرفض التمويل جملةً وتفصيلاً.
خلافٌ مستحكم بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون على خلفية التعيينات المرتقبة، وقد تُرجِم هذا الخلاف في (أزمة الزهراني) التي وصفها وزير الطاقة جبران باسيل بأنها (فاجعة وطنية)، متهِماً ضمناً حليفيه الشيعيين، أمل وحزب الله بأنهما يقفان وراء تعطيل المعمل والتسبب بالأزمة.
خلافٌ مستحكم بين رئيس الجمهورية ورئيس تكتل التغيير والإصلاح حول التعيينات المرتقبة ولا سيما منها تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى حيث أن دوائر القصر الجمهوري تقترح إسماً فيما العماد عون يقترح إسماً آخر.
لو ان هذه المشاكل والخلافات تبقى في إطارها الطبيعي لكان الأمر عادياً، لكن أن تتحوَّل إلى مادة لتبادل الرسائل فوق رؤوس المواطنين، فهذا ما يُعطِّل مصالحهم ويجعلها مادة للإبتزاز.
حين يكون وضع الوزراء يتراوح بين التغيب والمقاطعة والإعتكاف، فإن وضع الحكومة لن يكون أكثر من حكومة تصريف أعمال، فهل هذه هي الحكومة التي يُعوِّل عليها الناس؟
هذه الحكومة، ومهما جرت محاولات لتعويمها، فإن وضعها لن يتعدى حكومة تصريف الأعمال، وهذا ما يُشكِّل كارثة بالنسبة إلى البلد الذي يحتاج إلى كل شيء إلا إلى حكومة تصريف أعمال.
أوقفوا السِجال، فالبلد لم يعد يحتمل تعطيلاً