إن من مقتضيات الممارسة الديمقراطية بلورة أفق واسع يستوعب كل ألوان الطيف داخل المجتمع ويتيح لهم حرية التعبير دون حواجز أو عوائق، بما يمكن البنى الاجتماعية من الاضطلاع بدورها الريادي في عملية التنمية والبناء وفي تحقيق المصلحة العامة، عبر المؤسسات الرسمية المقامة من أجل هذا الغرض وقيام المسؤولين الذين يديرونها بأدوارهم الحقيقية التي من أجلها تم اختيارهم ووضعهم على رأس هذه المؤسسات ومنحوا الثقة، ولما كانت المسؤولية مشتركة بين المسؤول والمواطن، فإن من واجب المسؤول أن يحرص على فتح أبواب المؤسسة الخدمية ويكسر ذلك الحاجز المصطنع بينه وبين المواطن الذي عليه أن يحرص على نقل احتياجات بلاده بكل أمانة وبعيدًا عن أي مزايدة أو الحصول على منفعة شخصية، وإنما يجب أن تتحقق المنفعة الشخصية في إطار المصلحة العامة.
ولنا نحن العمانيين القدوة الحسنة في سلوك قائد مسيرة نهضتنا المباركة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحرصه الدائم على إقامة أركان الحوار البناء وعلى كسر كل الحواجز بينه وبين أبناء شعبه، مقتربًا منهم ليسمع منهم عن كثب، متلمسًا احتياجاتهم في تقليد سنوي عبر الجولات السامية التي يقوم بها جلالته ـ أيده الله ـ إلى جانب حرصه على إقامة مؤسسات الدولة لتحقيق الممارسة الديمقراطية داخل البلاد، بحيث تكون قادرة على تلبية متطلبات المواطنين والوطن، فبالإضافة إلى مجلس عُمان بجناحيه الدولة والشورى، هناك دوائر شؤون المراجعين في كل وزارة ومؤسسة خدمة وفق التوجيهات السامية من أجل التسهيل على المواطنين عند مراجعاتهم وإنجاز معاملاتهم في أقصر وقت.
كما أن مكاتب الولاة تعد هي الأخرى حلقة وصل بينها وبين المواطن، والتي يناط بها مسؤولية التواصل مع مختلف الجهات العاملة بالدولة الحكومية والخاصة.
وفي ظل التعديل الإداري للدولة وتحويل المناطق إلى محافظات فإن مسؤولية مكاتب الولاة مضاعفة، حيث من واجبها تلمس احتياجات الولايات ومن ثم التواصل مع سعادة المحافظ الذي بدوره يعمل وينسق مع مختلف المؤسسات بالدولة.
إن فهم هذه الحقيقة ومعرفة الأهداف ومهام المؤسسات الموضوعة لخدمة الوطن والمواطن، أمر مطلوب من قبل البنى الاجتماعية الفاعلة التي تضم في أغلبها الشباب، وضرورة فتح أبواب الحوار مع هذه المؤسسات والجلوس مع من يديرون هذه المؤسسات للوقوف على احتياجات ولايتهم، والبحث عن الوسائل والإمكانات، وكيفية التغلب على المعوقات والتواصل مع الجهات المعنية.
إن الحوار المبني على الشفافية والصراحة والوضوح، وتتوفر فيه عوامل الاتصال والتواصل بين أطراف الحوار ووفق قنواته الصحيحة، يكون أدعى إلى النجاح، لأنه يعتمد على قناعات داخلية ذاتية، ورغبة في إطلاق أحاديث المصارحة والمكاشفة.
إن هذه الصورة الحضارية جسدها أمس شباب ولاية بهلاء، حيث تبنى مجلس إدارة نادي الولاية اجتماعًا موسعًا مع سعادة والي الولاية، بحضور شباب الولاية ومثقفيها ونائب الوالي ورئيس نادي بهلاء.
فقد كان الاجتماع مناسبة لمناقشة العديد من المطالب والاحتياجات واستعراض الخدمات والمرافق التي تفتقر إليها قرى الولاية، بدءًا من تراجع مستوى أداء العمل البلدي وسوء حالة العديد من الطرق والزحام في الشارع العام، ووضع اللجان المحلية وكيفية تفعيلها وتجديد دمائها بطاقات شابة ومثقفة إلى غير ذلك من الجوانب التي كانت مدار النقاش.
إن هذا اللقاء الذي هو عبارة عن صورة مصغرة للشراكة بين المواطن والحكومة، ظاهرة حضارية تستحق الإشادة، وذلك لما أبرزته من تقاسم المصلحة والمسؤولية والاتفاق على ذلك بين الشباب، وأن المكان الحقيقي للحوار هو المؤسسات الموضوعة لأجله وليس الشارع، كما تؤكد أن النادي ليس مكانًا لممارسة الرياضة والأنشطة الثقافية فقط، وإنما بما يكتنزه من خبرات وكفاءات شابة، تقع عليه مسؤولية العناية بالولاية ومتابعة مصالحها والعمل على تلبية احتياجاتها، بدلًا من إبداء التبرم والتشكي وإهدار الطاقات الشابة في الطرقات وتضييع الأوقات، وهي تجربة نتمنى أن تتعمم في محافظات وولايات السلطنة لتؤكد ذلك الوجه الحضاري الذي لطالما تميزت بها عماننا الحبيبة.