في تطور لافت حول ما يجري على الساحة اليمنية، ارتفعت سخونة الأحداث إلى درجات عالية بين حزب المؤتمر الحاكم من ناحية والمحتجين وأحزاب المعارضة "اللقاء المشترك"، حيث صوت البنادق والمدافع الرشاشة وأزيز الطائرات وعمليات القصف تأبى أن تتوقف، وحيث مسيل الدماء لم ينقطع بعد. فقد كان ملاحظًا سقوط عشرات اليمنيين بين قتيل ومصاب منذ مساء الأربعاء وحتى صباح أمس.
عودة التسخين إلى ما قبل التوقيع على المبادرة الخليجية ونقل الرئيس علي عبدالله صالح صلاحياته لنائبه، لا تبعث على الاطمئنان وتنذر بأن سيف المواجهات الميدانية والسياسية بين الجانبين (الحزب الحاكم والمعارضة) يقترب رويدًا رويدًا من المبادرة مهددًا بقطع عنقها، مع أن هذه المبادرة باعتراف قيادات يمنية بينها معارضة هي بمثابة دستور مؤقت، مبددة هذه القيادات بعض المخاوف التي كان يتوجس منها بعض شباب الثورة اليمنية بسبب عامل الزمن في آلية التنفيذ التي وقع عليها كل من الرئيس صالح وممثلين عن حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وأحزاب المعارضة، وتتضمن الآلية التنفيذية للمبادرة جدولًا زمنيًّا يحدد بالتفصيل ملامح المرحلة الانتقالية في اليمن، وبموجب هذه الآلية التنفيذية، يسلم صالح صلاحياته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي ويبقى رئيسًا شرفيًّا لمدة تسعين يومًا، على أن تشكل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية من المعارضة، وفي هذا الاتجاه تقدم الطرفان خطوة نحو تشكيل حكومة وفاق وطني مناصفة بين حزب السلطة وقوى المعارضة برئاسة رئيس المجلس الوطني لقوى الثورة اليمنية محمد سالم باسندوة، حيث أجرى كل من المعارضة وحزب المؤتمر الحاكم قرعة الأربعاء الماضي في منزل نائب الرئيس لتحديد الطرف الذي يشكل قوائم الحقائب الوزارية والطرف الآخر الذي يختار إحداها والذي كان من نصيب المعارضة تكوين القوائم ومن حق حزب المؤتمر الحاكم اختيار أحدها، وعلى ضوء ذلك اختار حزب المؤتمر قائمة تشمل خمس حقائب وزارية أساسية هي وزارات الدفاع والخارجية والنفط والخدمة المدنية والاتصالات، فيما احتفظت قوى المعارضة بقائمة تشمل خمس وزارات أساسية أخرى هي الداخلية والمالية والإعلام والتخطيط والتعاون الدولي والإدارة المحلية. وهو ما يمثل فاتحة خير على اليمن.
إلا أن هذا التقدم وفق المبادرة الخليجية مهدد بالجمود ومن ثم الفشل في ظل تصاعد حدة المواجهات وتجدد الاشتباكات، وتبادل الاتهامات، حيث اتهمت المعارضة الحزب الحاكم بخرق المبادرة الخليجية بعد قيام قوات السلطة بقصف الأحياء المدنية في مدينة تعز وسقوط عشرات القتلى والجرحى، في حين اتهم الحزب الحاكم المعارضة بقتل العقيد عبدالحميد الكلعي مدير الحراسات الأمنية وثلاثة جنود واختطاف جثة الكلعي. ونعتقد أن هذه المواجهات والاتهامات ليست عاملًا يهدد بإفشال المبادرة الخليجية فحسب، وإنما ينذر بمصير غامض ينتظره اليمن والشعب اليمني، بعد أن أثار قبول المبادرة والتوقيع عليها حالة من الارتياح والبِشر بنقل اليمن إلى دولة بعد أن كان على شفا تحوله إلى بلد مقطع الأوصال يتربص بشعبه الفقر والجوع، وتتهدده البطالة بسبب الفراغ السياسي والأمني وتعطل عمليات الإنتاج، إلى جانب غياب عوامل الثقة اللازمة.
لذلك نطالب الأشقاء اليمنيين بأن يرأفوا بيمنهم السعيد، وأن لا يتركوه عرضة للضياع والبؤس فيحولوه إلى يمن تعيس، وأن ينتقلوا إلى الخطوات اللاحقة بإعلان تشكيل الحكومة والإعداد للانتخابات القادمة، وينتقلوا من لغة السلاح إلى لغة العقل والمنطق والحكمة الكفيلة بانتشال الجميع من مصير مبهم، وبنقلهم إلى مستقبل مبهر، وبدفع حركة التنمية والبناء المؤسسي، لأن الصراع على السلطة لا يعني بقاء الوطن ورفعته، وإنما يعني ضياعه وانهياره، فيكفي اليمن وشعبه معاناةً وعنتًا، وننبه أشقاءنا اليمنيين بأن الفرصة الآن مواتية والظروف أدعى لترتيب البيت اليمني، قبل أن ينتقل الأجنبي في مرحلته القادمة إلى اليمن السعيد.