من المفارقات المذهلة أن ينفطر قلب العالم على ما يتعرض له الشعب السوري الشقيق على أيدي النظام الحاكم، من دون أن تتأثر غلاظة قلب النظام، ومن غير أن ينظر كيف أن يديه صارتا مخضبتين بدماء أبرياء، لمجرد أنهم ينشدون أن يتحرروا من ربقة استبداد واستعباد طال أمده، ومن غير أن يلتفت إلى تحذيرات أطلقها الأشقاء والغرباء، ومن دون أن يفطن إلى ما سوف يترتب على انهيال العقوبات العربية والدولية على بلد يعاني في الأصل من مشاكل تغل حركة اقتصاده المرهق. ومن ثم فإن الاستمرار في الجرائم الدموية التي يرتكبها هو من جنس استخفافه بالعقوبات، ذلك لأن الشعب السوري الشقيق هو من سيدفع الثمن في كل الأحوال.
وحينما تحدثنا الإحصاءات، أمس، عن أن «307» أطفال لقوا حتفهم منذ اندلاع الثورة، وأن «56» منهم صرعهم النظام برصاصه خلال نوفمبر الفائت، ففي ذلك مؤشر على فقدان الرشد أمام هول ثورة الشعب السوري وطموحه في حياة جديدة يغادر فيها أسوار الفساد والتغول.
كما أن ذلك يعني أن «307» منازل في المدن السورية، ومعها الآلاف من عائلات الضحايا الآخرين، لن يغفروا للنظام - حيا أو مخلوعا - سقطاته وجرائمه، ولن يمكنهم الإذعان مجددا لضغوط الماضي، بعد هذا الحراك الثوري الواسع الذي عم مدن سوريا، وأدى إلى انشقاق في الجيش، مرادفا لذلك حراك إقليمي ودولي داعم للمنتفضين، مما يعني أن تصعيدا يحدث، وأن النظام لم يع بعد دروسا وقعت أحداثها في المنطقة، ومازالت خواتيمها طازجة، ومع ذلك يرفض طوق النجاة العربي، ويصم أذنيه عن صوت العقل، ويدير ظهره لحقائق صارت ماثلة على الأرض أمامه، وكأن النظام يستدعي مزيدا من غضب العالم، وفي هذا مفارقة أخرى.