الانتخابات الأميركية والقضية الفلسطينية

في الحملات الانتخابية تصبح دغدغة العاطفة أمرًا مباحًا، حيث تظهر قدرة المترشح على تسويق نفسه وصياغة برنامجه الانتخابي ليستطيع كسب أصوات الناخبين، حيث مساحة الوعود وتحقيق الأحلام تبقى شاسعة تجعل صاحب حق التصوت يرتع في هذه المساحة بما يعطيه دافعًا لأن يضع ورقة تصويته لمن أوجد له هذه المساحة الشاسعة من الأحلام والوعود المُتْخِمَة لبرنامجه الانتخابي، ربما هذا المشهد يكثر في دولنا العربية. لكن حين يتعلق الأمر بالانتخابات الأميركية فإن الاختلاف واضحٌ بيِّن، ووضوحه يبدأ من حيث المرور الإجباري للمترشح للرئاسة من بوابة اللوبي الصهيوني الداعم والمناصر للكيان الإسرائيلي، وبعد فحص برنامج المترشح ومعرفة الخيارات والمزايا التفضيلية وذات الأفق والطموح الأكبر في تحقيق رغبات اللوبي الصهيوني وقادة دولة الاحتلال الإسرائيلي، فالانتخابات الأميركية باتت وكأنها أشبه بسوق نخاسة، من حيث حرص كل مرشح على استرضاء اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط المناصرة للكيان الإسرائيلي المحتل. لكن من المهم الإشارة من حيث الوفاء بالوعد الانتخابي إلى أن ثمة فرقًا بين التزام المترشحين ببرامجهم الانتخابية في الدول العربية، وبين تمسك المترشحين الأميركيين ببرنامجهم الانتخابي خاصة فيما يتعلق بالمزايا والوعود المضمنة في البرنامج الانتخابي الخاصة بدولة الاحتلال الإسرائيلي ودعم الحركة الصهيونية العالمية. فقد بات أمرًا مسلمًا به قيام المترشح الأميركي الفائز بالانتخابات بتنفيذ ما أعلنه وما ألزم به نفسه وأعطاه لجماعات الضغط الصهيونية قولًا وعملًا، وكان ذلك واضحًا في لغة الخطابات وطبيعة المواقف للساسة الأميركيين في كل إدارة أميركية.

ومنذ فوز الرئيس باراك أوباما في الانتخابات وتسلمه الرئاسة وإلى الآن كان الالتزام بما يخص الاحتلال الإسرائيلي بيِّنًا ظاهرًا، فلم ينفك عن الحديث في كل مناسبة عن تأكيد تمسكه وتمسك بلاده بالدفاع عن أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل إن على صعيد الواقع الآن هناك ما يؤكد هذا الالتزام، فقد قدمت إدارته الدعم الكامل للاحتلال لبناء ما يسمى القبة الحديدية لتدمير أي صاروخ يستهدف مراكز قوات جيش دولة الاحتلال ودفاعاتها، فضلًا عن التعاون العسكري والاستخباراتي وتنسيق المواقف السياسية، حيث تبدو للوهلة الأولى كل كلمة أو موقف سياسي يصدر من أوباما أو أي مسؤول أميركي في إدارته، أنهما صدرا عن بنيامين نتنياهو أو أفيجدور ليبرمان أو أي مسؤول إسرائيلي آخر، ومن ذلك على سبيل المثال أعلنت إدارة أوباما أن خيار التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي دون شروط مسبقة هو الوسيلة المثلى لتحقيق السلام بدلًا من "الخطوات الأحادية" ـ التي يحلو للحليفين الأميركي والإسرائيلي وصفها بذلك ـ والتقدم بطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، إلى جانب امتناعها عن دفع المساهمة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بسبب اعترافها بالدولة الفلسطينية، وهذه المواقف هي شروط وإجراءات إسرائيلية أعلنتها مُسبقًا حكومة الحليف الإسرائيلي.

ولذلك لا نستغرب أن يعيد أوباما الكرة في خطب ود اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط في إطار حملته لإعادة انتخابه، معبرًا عن هيامه بدولة الاحتلال الإسرائيلي طالما أن مال وصوت جماعات الضغط هو الراجح، في غياب واضح لمختلف الفئات ذات الأصول العربية والإسلامية وتشتتها وبُعدها عن مناصرة ودعم القضايا العربية والإسلامية.. ففي حفل التبرعات السياسية لحملة إعادة انتخابه في منزل جاك روزين رئيس المؤتمر اليهودي الأميركي في مانهاتن أمس الأول دافع أوباما أمام المانحين عن سياسته تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث قدم تأكيدات قوية لالتزامه بالحفاظ على أمن "إسرائيل"، وأردف تأكيداته بقوله: "أن لا حليف أهم من دولة "إسرائيل"، وهذه الإدارة فعلت من أجل أمن دولة "إسرائيل" أكثر مما فعلته أي إدارة (أميركية) سابقة"، "وحينما يتصل الأمر بأمن "إسرائيل" فإننا لا نساوم ... وسوف يستمر هذا الموقف".
وكان أوباما شارك في حفلي تبرعات في نيويورك حيث جمع ما مقداره 1.8 مليون دولار تذهب إلى صندوق "فوز أوباما" وهو صندوق مشترك لحملته وحملة الحزب الديمقراطي.


إن هذا الوضع الانتخابي في الولايات المتحدة القائم على المال الصهيوني وعلى خطب ود اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط الصهيونية المناصرة للاحتلال الإسرائيلي يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الحل السلمي لصراع الشرق الأوسط معلق إلى أمد غير معلوم، في ظل بقاء قادة البيت الأبيض والقرار السياسي الأميركي في قبضة اللوبيات الصهيونية، وعلى هذا الأساس يجب أن يتعامل الفلسطينيون مع قضيتهم بدون أوهام المراهنة على الدور الأميركي تجاهها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات