هل العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس جامعة الدول العربية على سوريا مقدمة لتدخل أجنبي قادم؟
العرب قالوا بعد إقرارهم حزمة عقوباتهم إن الهدف منها هو معاقبة دمشق لعدم امتثالها لتوقيع البروتوكول القاضي بإرسال بعثة مراقبين قوامها 500 مراقب لتقييم الوضع في الداخل السوري، وكذلك للحيلولة ـ كما قالوا ـ دون أي تدخل أجنبي، إلا أنهم رجحوا أن التدخل الأجنبي قادم لا محالة في حال الفشل.
وبالنظر إلى نوعية العقوبات فإنها تشمل "منع سفر كبار الشخصيات والمسؤولين السوريين إلى الدول العربية وتجميد أرصدتهم في الدول العربية، ووقف التعامل مع البنك المركزي السوري ووقف المبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية باستثناء السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية ووقف التعاملات المالية معها، ووقف جميع التعاملات مع البنك التجاري السوري، ووقف تمويل أي مبادلات تجارية حكومية من قبل البنوك المركزية العربية مع البنك المركزي السوري، وكذلك مراقبة البنوك المركزية العربية الحوالات والاعتمادات التجارية".
وفي تقديرنا أن هذه العقوبات ليست جزءًا من حل الأزمة، بل هي جزء من عوامل تعقيد الحل، وتحيل كل جهد إلى الفشل، ذلك أن من شأن هذه العقوبات أن تعقِّد الوضع إلى درجة تحتاج إلى معجزة حقيقية لبلورة حل، في ظل لواذ الجميع بالصمت عن أي معالجة سياسية تقضي بإحضار كل من الحكومة السورية والمعارضة على طاولة الحوار للتفاهم على صيغة توفيقية، وذلك على غرار ما حدث لمعالجة أزمات عربية كما هو الحال في السودان ـ على سبيل المثال ـ حيث استمرت المفاوضات وتقريب وجهات النظر بين الحكومة السودانية والفصائل المتمردة فترة طويلة لتوقيع الطرفين على اتفاق إنهاء الأزمة.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن المفاوضات قادها العرب، ثم إن الغرب ـ بمساعدة العرب ـ قادر على توفير الأجواء والرعاية لانطلاق حوار حقيقي جدي بين الحكومة السورية والمعارضة لإنهاء الأزمة على غرار ما حدث في اتفاقية أبوجا للسلام بين شمال السودان وجنوبه ـ طبعًا مع الفارق بين طبيعة القضيتين ـ بدلًا من اتباع سياسة التحريض وحث المسلحين السوريين المعارضين على عدم تسليم أسلحتهم، وتصعيد الأزمة إلى مستويات تنعدم معها آفاق الحل. كما أن من المهم الإشارة إلى أن العقوبات ثبت أنها إذا لم تكن لتسهيل التدخل العسكري وإنهاك النظام المستهدف، فإنها تهدد بالدرجة الأولى الشعب الباحث عن ما يسد به رمقه، في ظل تعطل عمليات الإنتاج وجمود الاقتصاد، وتوقف العمل وعمليات الاستيراد.
ولذلك فإن العقوبات لا تضر النظام بقدر ما تضر الشعب، والعقوبات على العراق خير دليل على ذلك، وبالتالي فإنها مدعاة لمزيد من العنف، حيث كانت ردة الفعل في الداخل السوري بعد إقرار العقوبات واضحة، حيث دفعت المناهضين للحكومة السورية لتأييد العقوبات واعتبارها وسيلة ضغط إضافية، والمؤيدين الذين خرجوا بالأمس بمئات الآلاف في محافظات سورية لرفض العقوبات التي رأوا فيها مؤامرة ضد بلادهم واستهدافًا لاقتصادها الوطني، ومقدمة لتدخل أجنبي.
ولذلك كان التمني أن يتم البدء بمفاوضات سياسية ثنائية بين الحكومة السورية والمعارضة برعاية عربية ودولية، وبناء عامل الثقة، ومنع التحريض بالتزامن مع سحب المظاهر المسلحة، وهي مقاربة نعتقد أنها أدعى إلى الحل بدلًا من القفز على الوسائل السياسية إلى الوسائل الاقتصادية، وكل التمنيات أن لا نرى مزيدًا من الخطوات الإضافية الممهدة لتدويل الأزمة.
وحتى لا نتهم بأننا مع طرف ضد طرف، فإننا نطرح رؤيتنا للحل القائم على الحوار المباشر بين الطرفين وسد الأبواب أمام ذرائع تكرار السيناريو العراقي أو الليبي، وحتى لا نرى الأجنبي يفرط حبة أخرى من العقد العربي.