المعروف عن الزرع الشيطاني الاستيطاني أنه ينمو نموًّا سريعًا في الأراضي الفلسطينية حين تحين لحظة استحقاق سياسي، وتترافق مع هذا الزرع عمليات ممنهجة لا تقتصر على استهداف الحجر والشجر، بل تتعداهما إلى البشر، حيث عمليات الاغتيال التي يتناوب عليها جيش وشرطة الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين، إلى جانب حملات الاعتقال والتهجير من المنازل لا سيما في مدينة القدس المحتلة بدعاوى وحجج كاذبة فاضحة، ويلجأ الاحتلال إلى هذه الأساليب لخلط الأوراق والتملص من أي التزام واجب عليه.
فقد صادرت حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو وإلى الآن عشرات آلاف الدونمات من الأرض الفلسطينية بمزاعم إقامة محميات ومناطق عازلة ومناطق خط أخضر، حتى جاء جدار الفصل العنصري ليجهز على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية.
ويسابق الاحتلال الزمن حاليًّا في تهويد مدينة القدس المحتلة بقسميها الغربي والشرقي لتشطر الضفة إلى نصفين، سعيًا منه في تحقيق أحلامه وأوهامه التلمودية بما يسمى دولة إسرائيل الكبرى "الخاصة بالشعب اليهودي" عاصمتها الأبدية الموحدة مدينة القدس التي وَضَعَ لها مخططًا تهويديًّا في بداية عام 1995م شارك في وضعه عشرات الباحثين الصهاينة، وذلك بهدف توسيع مساحة ما وصفوه في مخططهم بـ"القدس العظمى"، وبالفعل تم وضع خريطة خاصة بالمدينة لزيادة رقعة مساحتها بالمستوطنات وبالشقق السكنية بحجة مواكبة ما يطلق عليه قادة الاحتلال "النمو السكاني".
غير أن الأهم هو أن عملية التهويد امتدت لتطول المقدسات الإسلامية والمسيحية، فها هو المسجد الأقصى تئن أساساته من عمليات النخر المستمرة والتي تستغيث لحمايتها حتى لا تتهدم أركان المسجد.. وإمعانًا من الكيان المحتل في تدمير المسجد وطمس كل ما له هوية إسلامية أو عربية أو مسيحية، فقد قرر هدم جسر باب المغاربة المؤدي إلى الأقصى بحجة كاذبة وهي تصدعه، وحسب المسؤولين عن حرمة المسجد فإن هذه الطريق هي أرض وقف، وهي جزء لا يتجزأ من الحرم القدسي الشريف الذي يتضمن كل الأبواب والممرات والشوارع ومناطق الصلاة الداخلية والخارجية فوق وأسفل الحرم القدسي الشريف.
اليوم القوى الغربية متحمسة لإقامة مناطق حظر في سوريا على غرار ليبيا ـ كما تزعم ـ للدفاع عن "حماية المدنيين السوريين"، ودفعها حماسها إلى اتخاذ كافة الوسائل الدبلوماسية والسياسية منها والعقوبات الاقتصادية، ومثل هذه التدخلات تقود إلى التدخل العسكري، بينما الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد على أربعة وستين عامًا، لا يتعرض وحده فقط لعمليات ممنهجة من القتل والتهجير والاعتقال، بل إن أرضه تتعرض لقرصنة وسرقة في وضح النهار تحت مرأى ومسمع هذه القوى الغربية التي طالما تشدقت بحقوق الإنسان وبالعدالة الاجتماعية وأهمية الدفاع عنهما، فأين هذه الشعارات ونصرتها حين تتعلق بالشعب الفلسطيني؟
ولماذا تسقط وتختفي حين ينتهكها الكيان الإسرائيلي المحتل؟ خاصة وأن كل الإجراءات والقرائن الشرعية والقانونية موجودة للإدانة والتدخل لحماية الشعب الفلسطيني، فها هي منظمة العفو الدولية ـ على سبيل المثال ـ تؤكد فيما يتعلق بالاستيطان أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تنتهك القانون الدولي من خلال إقامة مستوطنات مدنية في الأراضي الفلسطينية والحفاظ عليها، موضحة أن تبني دولة محتلة سياسة رسمية لنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى داخل الأراضي المحتلة يرقى إلى جريمة حرب، ويمكن أن يكون عرضة للتحقيق من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ومع ذلك فإن هذه الدول التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان تتعامل مع مثل هذه التأكيدات بموقف يشبه نظرية القرود الثلاثة (لا أسمع لا أرى لا أتكلم).