إن المناسبات الوطنية هي جزء من تاريخ وتراث الشعوب، حيث تعد مجالًا مفتوحًا للتعبير عن معاني الانتماء والولاء ومشاعر الفرح والفخر بما تحقق وأنجز من منجزات ومكتسبات، ولتجديد العهد والاستعداد لفتح جديد في مجال العمل الوطني وخدمة قضايا الوطن.


واليوم الثامن عشر من نوفمبر من هذا العام 2011م، والذي من حسن الطالع يصادف يوم جمعة وهو يوم عيد للمسلمين، يحتفل الشعب العماني بكل مشاعر الفخر والاعتزاز، وبكل مظاهر الفرح والسرور، بالعيد الوطني الحادي والأربعين المجيد، وهي مناسبة غالية تحل علينا وقد دخلت بلادنا مرحلة جديدة من العمل الوطني والتنموي الذي يستمد روح عطائه وتطوره وتمدده بطول البلاد وعرضها من الفكر المستنير والرؤية الثاقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي قاد بكل حكمة واقتدار نهضة شاملة ارتكزت غاياتها وأهدافها التنموية على الإنسان، انطلاقًا من نظرة شاملة وفاحصة لعوامل النجاح اتجه مؤشر بوصلتها إلى أن الناقل الحقيقي والفاعل المؤثر لحركة التنمية هو الإنسان الذي بإحاطته تعليمًا وتأهيلًا وتدريبًا سيكون الباعث الأول على قدرات قيادة التطور والتقدم، وسيكون العصب والقلب النابض في التنمية.


لقد كان اختيار عامل النجاح الذي دلل على الفكر الحيوي المتجدد لجلالته ـ أيده الله ـ حاسمًا في وضع أهداف التنمية للنهضة المباركة، وفي رسم ملامح الدولة العصرية التي أرادها قائد هذه المسيرة المباركة، الأمر الذي أعطى تجربة فريدة في التاريخ المعاصر في كيفية بناء الإنسان ومن ثم بناء الدولة العصرية، ذلك أن إقامة أركان هذه الدولة لم تكن بالأمر السهل، وإنما اكتنفتها صعاب في ظل قلة الإمكانات والمُعِينات في البداية، ولكن حين تكون الإرادة أكبر والعزيمة أعلى والنوايا أصدق فإن المستحيلات تتقزم، وتكون الهمم أدعى إلى بناء جبهة داخلية متراصة موحدة خلف هدف واحد وهو البناء العصري للوطن والمواطن، هذه الجبهة كان لها ما يميزها ويعطيها فرادة في العمل الوطني، حيث جاءت فرادتها من الرغبة الصادقة في إشراك الجميع ذكورًا وإناثًا في البناء وعدم تغليب أحد هذين الجناحين للمجتمع على الآخر، ما أوجد تناغمًا عاليًا، وتجاوبًا وانسجامًا كبيرين، وشكل رافعة سهلت حرية الحركة لتختزل دقائق الزمن.


على أن تطور عملية المشاركة بين الحكومة والمواطن بصورة تدريجية لتصل إلى مرحلة متقدمة كان عمادها بناء المؤسسات التي تستقطب الأفكار الناضجة والخبرات المتراكمة، حيث جاء مجلس عُمان ليوفر القبة المؤسسية المعبرة عن المشاركة الجماعية والانسجام التام بين الحكومة الشعب، إذ ينظر إلى المجلس بعد توسيع صلاحياته الرقابية والتشريعية بموجب المرسوم السلطاني رقم (99/2011) على أنه قلعة من قلاع الممارسة الديمقراطية، وفي دراسة العديد من مشاريع القوانين وخطط التنمية وتمريرها ورفد الحكومة بالآراء والأفكار. وينتظر منه أن يضطلع بدور مهم في تطوير الأداء المؤسسي والإطار العام للأنظمة التي تسير وفقها مؤسسات الدولة وإنجاح خطط التنمية جنبًا إلى جنب مع مجلس الوزراء. هذا التضافر للجهود، في ظل قانوني الرقابة المالية والإدارية وحماية المال العام، من المؤكد أنه سيفتح المزيد من أبواب الشفافية والرقابة بما ينعكس إيجابًا على العمل والإنتاج بوجه خاص والاقتصاد بوجه عام.


وإذا كانت هذه الصورة المشرقة للجهود التي يبذلها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من أجل ترسيخ دعائم الاستقرار وتوفير العيش الكريم للمواطن وتطوير المجتمع انطلاقًا من الثوابت والاستفادة مما يفرزه العصر من علوم وتقنيات وابتكارات واختراعات، فإن الصورة المشرقة ذاتها تعبر عن الاحترام والمكانة التي تحظى بها السلطنة دوليًّا، بناءً على النهج الحكيم في سياسة السلطنة القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وجعل أسلوب الحوار والتفاهم خيارًا في حل قضايا العالم، والحرص على بناء جسور متينة من العلاقات مع دول العالم وفق هذا النهج وتبادل المصالح المشتركة، ونصرة القضايا العادلة للشعوب وفي مقدمتها القضايا العربية التي تتصدرها القضية الفلسطينية.


إن الاحتفال بالعيد الوطني الحادي والأربعين المجيد مناسبة غالية لتجديد الولاء والعرفان لجلالة عاهل البلاد المفدى الذي كرَّسَ كل جهده ووقته من أجل رفعة هذا الوطن وكرامة المواطن وتأمين وسائل العيش الكريم له، وبهذه المناسبة الغالية نتقدم بأحر التهاني إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ونرفع أكف الضراعة بأن يعيد هذه المناسبة المجيدة أعوامًا عديدة وأزمنةً مديدة، وعُمان في ظل قيادته الحكيمة في أمن وأمان وتقدم مستمر.