تريد اسرائيل أن تربط بشكل سريالي لا يمكن فهمه لأي عاقل بين قبول عضوية فلسطين في منظمة اليونسكو، وبين رد فعلها على ذلك بحجز الأموال الفلسطينية التي تجمعها كضرائب نيابة عن السلطة الفلسطينية من جهة، وتكثيف الاستيطان في الأراضي المحتلة، وخصوصا في القدس، من الجهة الأخرى.
وليس من حق اسرائيل تحت أي ذريعة أن تحجز الأموال الفلسطينية، أو أن تستخدمها كورقة ابتزاز سياسي للفلسطينيين. فهذه أموال الشعب الفلسطيني، وحجزها يعتبر نوعا من السرقة وجريمة اقتصادية دولية يفترض أن يعاقب عليها المجتمع الدولي بتغريم اسرائيل أضعاف قيمتها.
أما رد الفعل الثاني من جانب اسرائيل على عضوية فلسطين في اليونسكو، فهو يتمثل في تكثيف الاستيطان بشكل غير مسبوق منذ بداية الاحتلال عام ١٩٦٧. فقد أعلنت الحكومة الاسرائيلية عن مخطط هائل الحجم لبناء أكثر من ٦٠ ألف وحدة سكنية استيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، معظمها (وهو ما يزيد عن ٥٠ ألفا في القدس الشرقية) خلال العقدين القادمين، ونشرت أمس تقارير عن بدء المرحلة الإجرائية الأولى لبناء ٨٠٠ وحدة في جنوب القدس وشمالها- خارج الخط الأخضر، كما هو معتاد.
والسؤال هو :ما العلاقة- إن كانت هناك أي علاقة- بين عضوية فلسطين في الأمم المتحدة أو في إحدى المنظمات التابعة لها، وهي اليونسكو، وبين حجز المستحقات الضريبية، أو تكثيف الاستطان بهذه السرعة المحمومة، وكأن اسرائيل في سباق مع الزمن لتهويد الأراضي الفلسطينية أمام سمع العالم وبصره، وبهذا الشكل الفاضح والمستهتر بالأسرة الدولية، وبمن يقولون إنهم يرعون عملية السلام؟.
نعلم أساسا أن اسرائيل ليست بحاجة أصلا إلى ذريعة لتسريع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. فكل المستوطنات أقيمت على مدى الأربعة والأربعين عاما الماضية دون أن تكون لها أدنى صلة بالتحركات الفلسطينية. والدافع الوحيد لإقامتها هو الأطماع الاسرائيلية في الأراضي المحتلة، وغياب أي رغبة حقيقية في السلام العادل، الذي يحترم الحقوق الفلسطينية، ومطالب الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
ومرة أخرى نسأل الدول الراعية لعملية السلام كما تصف نفسها :هل هذه الممارسات الاسرائيلية غائبة عن عيونكم، وهي التي تُعلن بشكل سافر في كل وسائل الإعلام الاسرائيلية والدولية؟.
إن هذا الصمت والعجز عن القيام بأي رد فعل من جانب "رعاة عملية السلام"، واللجنة الرباعية الدولية، يمكن اعتباره نوعا من التواطؤ القريب من المشاركة في هذه الممارسات الاسرائيلية.
لأن هذه القوى الدولية تلك بالفعل الآليات القادرة على وقف الاستيطان، وتمنع اسرائيل من اللعب بورقة أموال الضرائب الفلسطينية، لكنها تتععمد أن لا تفعل ذلك والمطلوب من هذه القوى هو أن تقوم بواجباتها ومسؤولياتها إن كانت حقا "راعية للسلام"، أو أن تكف عن إطلاق هذا الوصف على نفسها.