يشكل الانقسام الفلسطيني، وعدم عودة المياه إلى مجاريها بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني أبرز معوقات في مسيرة النضال الفلسطيني المعاصر، حيث هناك ملفات عالقة بحاجة إلى معالجة جادة من قبل حركتي فتح وحماس لتبديد حالة الانقسام. وقد أرسل الرئيس الفلسطيني أمس في ذكرى الاستقلال ورحيل الرئيس ياسر عرفات إشارات مهمة تشي بانفراجة قريبة لإنهاء الانقسام ونجاح المصالحة حين أكد بقوله "سنستمر في بذل كل الجهود للإسراع في حل القضايا العالقة كافة وفي المقدمة منها قضيتا الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني وتشكيل الحكومة من شخصيات مستقلة تشرف على الانتخابات".

وينص اتفاق المصالحة الذي وقعته حركتا فتح وحماس في السابع والعشرين من أبريل الماضي في القاهرة على إنهاء ملف المعتقلين السياسيين، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم شخصيات مستقلة وتكلف الإعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية خلال عام. ويزمع الرئيس عباس أن يلتقي مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الثالث والعشرين من الشهر الجاري في القاهرة، ما يمهد عمليًّا الطريق نحو إنهاء أربع سنوات من الانقسام وفرت غطاء للاحتلال استخدمه في إحراز وقائع على الأرض تقوم على سياسة الهضم والقضم مما تبقى من الأرض الفلسطينية، وعلى عمليات القتل والاغتيال الممنهجة وسياسة التهجير القسري وهدم البيوت وطرد سكانها الفلسطينيين منها بحجج كاذبة وهي البناء دون ترخيص وغيرها من الحجج التي لا يُعدم الاحتلال وسيلة عن ابتداعها، فقد كان الانقسام هو الشماعة التي يعلق عليها الاحتلال تملصه ومراوغاته وتهربه من استحقاقات السلام، فلا تحين لحظة من ذلك إلا وقد ادعى أن الفلسطينيين ليسوا موحدين ومنقسمين ولا يوجد من يمكن التحاور معه.

إن إعلان الاستقلال الذي قاده بكل كفاءة واقتدار الرئيس الراحل ياسر عرفات والذي صادفت ذكراه الثالثة والعشرون أمس الأول (15 ـ 11 ـ 2011م)، جاء قرار الاعتراف الأممي به والذي يحمل رقم (43/177) لعام 1988م نتيجة تضحيات مضنية قدمها الشعب الفلسطيني ونضال عبرت مفرداته عن إرادة حقيقية في انتزاع الحرية من بين أنياب المحتل الإسرائيلي، وأن الحرية لا تستصدر بل تنتزع انتزاعًا وتقدم على مذبحها الدماء الطاهرة الوطنية.

والحق إن تلك التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الفلسطيني بقياداته الوطنية أثارت كثيرًا من التعاطف مع الحق الفلسطيني، ورسمت ملامح دولة فلسطينية أقرب إلى الواقع عن الآن الذي تشهد فيه القضية الفلسطينية تراجعًا في ذلك الألق الذي كان يحيطها، فاليوم على عكس الماضي، إذ بتنا نرى تنكرًا وخداعًا ووعودًا جوفاء للحق الفلسطيني، وتكالبًا ضد كل ما هو فلسطيني، حتى على الجانب العربي خبت تلك النزعة والحميَّة العربية تجاه القضية الفلسطينية، حيث أصبح الوضع العربي مهلهلًا ومفككًا فلم يعد ذلك الظهير القوي فضلًا عن انحراف اهتمامات الوضع العربي عن قضيته المركزية.

 وفوق ذلك جاء الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني ليلقي مزيدًا من الوهن على الموقف العربي وكذلك الموقف الفلسطيني، لدرجة أن بعض الدول اتخذت منه مبررًا للتشكيك في أهلية فلسطين في الحصول على عضوية الأمم المتحدة.

ولذلك إذا كان الفلسطينيون يرون في أن إعلان الاستقلال قد أثمر اعترافًا دوليًّا شاملًا بفلسطين وحقها في الاستقلال، فإن إعلانهم في الثالث والعشرين من الشهر الجاري نجاح المصالحة وإنهاء الانقسام إلى الأبد سوف يفرض احترامهم ويمكنهم على الأقل من مواصلة جهودهم في نيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وقبولها عضوًا في الأمم المتحدة.

إن الكفاح والنضال يموتان بالانقسام، ويحققان النجاح والانتصار بالوحدة الوطنية والتفاهم في الموقف والكلمة، وأن الوطن والشعب غير قابلين للتجزُّؤ، وهذا ما يجب أن تبنى عليه المصالحة، وإلا فلا.