كان لافتًا ذلك التحذير والتهديد والتلويح المتتالي للحكومة العراقية تجاه محافظات عراقية ترغب في الاستقلال الإداري والمالي، وهو ما يعرف بـ(الفيدرالية)، وكذلك مطالبة البعثيين بإعلان توبتهم وبراءتهم من حزب البعث المحظور دستوريًّا، متوعدة إياهم بإجراءات في حال إصرارهم على موقفهم.

التحذير جاء أمس الأول على لسان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي وصف مطالب بعض مجالس المحافظات بتشكيل أقاليم مستقلة إداريًّا واقتصايًّا بـ"الكارثة". طبعًا مثل هذا التحذير مبرر، لأن تحول العراق إلى أقاليم مستقلة من الناحية الإدارية والمالية يمكن أن يكون مقدمة لاستقلال سياسي يقود في النهاية إلى تشظي العراق وتشرذمه وتقسيمه. لكن القضية الأهم في هذا السجال الدائر بين حكومة المركز وبين مجلس محافظة صلاح الدين تحديدًا الذي أعلن مؤخرًا عزمه البدء في إجراءات تحويل المحافظة إلى إقليم فيدرالي ضمن إطار الدولة العراقية، هي تلك الثغرات التي تضمنها دستور "العراق الجديد" والتي تتمثل في إقرار مبدأ الفيدرالية حتى لو كان يُشترط في تحول المحافظة إلى إقليم أن يكون باختيار سكانها باستفتاء شعبي وموافقة البرلمان، وتتمثل أيضًا في إقصاء البعثيين المنتمين لحزب البعث، إلى جانب هذه الثغرات صياغة الحكومة وتفصيلها على أساس طائفي، سواء في رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزارة والحقائب الوزارية أو البرلمان، بالإضافة إلى عمليات الاعتقال العشوائية التي تقوم بها السلطات العراقية وصدور أحكام الإعدام بالجملة، حيث صدقت رئاسة الجمهورية الثلاثاء قبل الماضي ـ على سبيل المثال ـ على إعدام 15 متهمًا تنفذ بهم الأحكام بعد إجازة عيد الأضحى، وحسب منظمة العفو الدولية التي طالبت بإيقاف الأحكام، أنه من المرجح ألا يكون المتهمون قد حظوا بمحاكمة عادلة بموجب المعايير الدولية، وأنهم أجبروا على "الاعتراف".

وكان مكتب المالكي قد ذكر أنه تم اعتقال 615 شخصًا معظمهم من محافظات وسط وجنوب العراق. كما ذكر مسؤولو أمن وشرطة عراقيون أن المالكي أعطى أوامر اعتقال ضد نحو 350 من أعضاء حزب البعث. وينظر إلى تلك الاعتقالات على أنها تُفاقم التوترات، وذات طابع طائفي حسب ما يؤكد عراقيون أنها طالت أتباعًا من العراقيين السنة، الأمر الذي أثار غضب آلاف العراقيين في تلك المحافظات وخاصة محافظة صلاح الدين.

العراق المنشود، هو الوطن الوحدوي المتآخي المتلاحم الذي يضم جميع أبنائه، ويعمل على إزالة آلام الماضي وبناء الحاضر والمستقبل وفق سياسة شاملة واضحة تأخذ في الاعتبار عوامل التنمية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين كل مواطن عراقي بعيدًا عن الانتماءات التي في العادة تفرق وتشتت ولا تقرب، وبعيدًا عن عمليات الإقصاء والإلغاء لطرف أو أطراف وسوء الظن، ويجب أن يكون تقسيم العراق من المستحيلات وقناعة تامة راسخة لدى كافة العراقيين، والانتباه إلى أن إدخال نظام الأقاليم أو "الفدرلة" في الدستور الذي كتب تحت حراب الاحتلال الأنجلو ـ أميركي، هو مقدمة لتمزيق العراق وجعله كيانات منفصلة متحاربة فيما بينها، وإذا أراد العراقيون أن يتجنبوا مخاطر التقسيم فإن أول خطوة في اعتقادنا هي عليهم إعادة النظر في كل ما يحتويه الدستور من مثالب وثغرات ليحافظوا على عراقهم المتماسك الموحد، والإيمان المطلق بأن النزاع الطائفي والصراع على السلطة مجلبان للدمار ومعطلان للتنمية، وليس أدل على ذلك من الواقع الذي يعيشه العراق بعد الغزو وإلى الآن.

صحيح أن طلب محافظات عراقية للتحول إلى أقاليم مستقلة "كارثي" لكن لا بد من القضاء على الأسباب المؤدية إلى ذلك وقطعها نهائيًا، لا سيما وأن العراق يستعد لانسحاب آخر القوات الأميركية الغازية، وبالتالي فهو بحاجة إلى من يسد هذا الفراغ الأمني، وفي اعتقادنا أنه لا تسده إلا الأيادي الوطنية العراقية، والحكمة والتعقل في السياسة والقيادة.