الأرقام المفزعة – والمعروفة - التي كشفتها المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن أعداد الضحايا في سوريا بعد ثمانية أشهر من الاضطرابات المناهضة للحكومة هناك والتي وصلت إلى أكثر من 3500 شخص يجب أن تدق الأجراس ليس في دمشق فقط حيث النظام السوري المصر على الاستمرار في استخدام الرصاص الحي في وجه المتظاهرين السلميين بل في جميع العواصم العربية التي تنتظر منها شعوبها موقفا أكثر صرامة وشدة مع النظام السوري الذي أعلن قبوله بالمبادرة العربية التي اشترط بندها الأول وقف العنف واستهداف المدنيين ونكث وعده بتطبيقها فاستمر القتل ولم تنسحب الدبابات ولم ينسحب الجيش من المدن والبلدات السورية كما وعد النظام.
إن استمرار عمليات القتل ومواجهة التظاهرات المطالبة بالحرية والتغيير يؤكد عدم اكتراث الحكومة السورية بالمبادرة العربية والدعوات الدولية والإقليمية لوضع نهاية لإراقة الدماء.
حسب أرقام المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فقد قتل أكثر من 60 شخصا على يد قوات الجيش والأمن "بينهم 19 شخصا" على الأقل في أول أيام عيد الأضحى منذ أن وقعت الحكومة السورية الأسبوع الماضي على خطة السلام التي ترعاها جامعة الدول العربية وفي الوقت الذي أفرجت فيه الحكومة السورية عن 550 شخصا بمناسبة العيد فإن عشرات الآلاف ما زالوا معتقلين وعشرات الأشخاص يتم توقيفهم كل يوم.
لقد قدمت الجامعة العربية طوق النجاة للنظام في سوريا من خلال المبادرة العربية التي أعلنت دمشق موافقتها عليها إلا أنها لم تطبق منها حتى الآن شيئا على الأرض يثبت جديتها واقتناعها واحترامها للجهد العربي الذي وضع هدفا أولا يتمثل بوقف العنف وإراقة الدماء وسحب الجيش من المدن السورية كمدخل لا بد منه للبدء في حوار جدي بين النظام والمعارضة السورية يخرج سوريا من الأزمة التي تعصف بها.
الشعب السوري الذي عاش شهوره الثمانية الماضية على وقع الرصاص والاجتياحات ومحاصرة المدن وقصفها بواسطة الدبابات وجنازات الضحايا التي لا تنتهي ينتظر من اجتماع وزراء الخارجية العرب المقرر عقده في القاهرة يوم السبت المقبل أكثر من بيانات الإدانة والاستنكار ودعوة النظام السوري للالتزام وتطبيق المبادرة العربية فالنظام السوري سبق وأن وقع المبادرة لكنه لم يطبقها بل استمرت عمليات القتل وقصف المدن وآخرها مدينة حلب كأن شيئا لم يكن.
الجامعة العربية تتجه - كما يبدو - من خلال استقبالها الرسمي لوفد من المعارضة السورية إلى الاعتراف بها وهو ما يمهد للاعتراف بها دوليا بما يحمله ذلك من مغزى كبير يجب أن يدفع النظام السوري لإعادة حساباته سريعا حرصا على سوريا ووجودها.
الجامعة العربية قد لا تستجيب لجميع مطالب المجلس الوطني السوري المعارض الذي يطالب بتجميد عضوية النظام السوري وفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية عليه ونقل ملف انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الإبادة إلى محكمة الجنايات الدولية ودعم الجهد الأممي الرامي إلى تأمين الحماية الدولية للمدنيين السوريين وإرسال مراقبين دوليين والسماح لممثلي وسائل الإعلام والمنظمات الدولية بالدخول إلى سوريا بكل حرية والاعتراف بالمجلس الوطني السوري ممثلا شرعيا للثورة والشعب في سوريا لأن ذلك يعني عمليا دفن المبادرة العربية وإعلان موتها إلا أن الاستجابة لبعض هذه المطالب أصبحت ضرورة تحتمها تفاقم الأوضاع هناك ويحتمها نكث النظام السوري لوعوده بوقف قتل المدنيين.