ليس مفاجئًا أن يقرر الكيان الإسرائيلي بناء 2000 وحدة استيطانية في القدس المحتلة والضفة الغربية وتجميد تحويل الأموال العائدة إلى السلطة الفلسطينية حتى لو تحت زعم الرد على انضمام فلسطين إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ذلك أن المحتل الإسرائيلي لا يصدق نفسه أنه يجد ذريعة يسرق بناء عليها المزيد من الأرض الفلسطينية، فكيف به الآن وهو يجد القوة العظمى في العالم تتخذ إجراءات عقابية ضد (اليونسكو) على انتصارها للحق الشرعي والثقافي الفلسطيني بقطع المساعدات الأميركية عن المنظمة والتي تبلغ حوالي 60 مليون دولار أميركي سنويًّا؟

يدرك كل منصف ومؤيد للحق ورافض للظلم والباطل أن لا هدف من وراء هذا المشروع الاستيطاني الجديد سوى قتل كل أمل لدى الشعب الفلسطيني في استعادة حقه يومًا من الأيام، ويكشف حقيقة ما يدعو إليه اللص الإسرائيلي من مفاوضات ودون شروط مسبقة بأنها عبثية ترمي إلى إعطاء الوقت الكافي للاستيطان ليجهز على ما تبقى من الأرض الفلسطينية ليحقق أفكاره التلمودية العنصرية البغيضة فيما يسميه "دولة يهودية" للشعب اليهودي عاصمتها القدس الموحدة الأبدية، حيث ممنوع على الفلسطينيين البناء والذين تتعرض منازلهم للهدم على يد بلدية الاحتلال التي تقوم بعد ذلك بإرسال فاتورة العملية إليهم لتسديدها، وبالتالي لا يبقى أمام العائلات أي خيار سوى إعادة بناء البيوت المهدمة أو الانتقال للعيش مع العائلة أو مغادرة مدينتهم. ويقوم الاحتلال تلقائيًّا بسحب وضع صفة مقيم دائم من أي فلسطيني من القدس أمضى سبع سنوات في الخارج حتى لو كان في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

غير أن الأهم هو خطوة (اليونسكو) بالتصويت على مصلحة الطلب الفلسطيني بما مجموعه 107 أصوات، وهي خطوة بلا شك ترسم واقعًا مختلفًا وصورة مغايرة عن ما عرفت به الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها من أنها تعاني هيمنة القوة والمال، فهي خطوة تعلن عن ميلاد جديد لليونسكو باختيارها الانتصار للثقافة والتاريخ الإنساني وعدالة قضية الشعب الفلسطيني والتي عكست حجم تأييد المجتمع الدولي للحقوق الفلسطينية المشروعة، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الحرة المستقلة ذات السيادة.

إن الرفض الأميركي الصريح للاعتراف وقطع المساهمة الأميركية عن منظمة (اليونسكو) لدليل إضافي على أن الولايات المتحدة ليست جاهزة للقيام بدور راعي السلام النزيه، وعلى كرهها لكل ما هو فلسطيني، إذ لا تزال أسيرة لقادة تل أبيب واللوبي الصهيوني المتغلغل في مفاصل صنع القرار الأميركية، وقد أكد ذلك السفير الأميركي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ديفيد كيليون، أن انضمام فلسطين إلى المنظمة سابق لأوانه وسيعقِّد الجهود الأميركية لدعم برامج (اليونسكو). وأن "الولايات المتحدة كانت واضحة جدًّا في الإصرار على الحاجة لتحقيق حل الدولتين للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن الطريق الوحيد لذلك هو المفاوضات المباشرة، لا يوجد طرق مختصرة ونعتقد أن الخطوات مثل التي شهدناها تؤدي إلى نتائج عكسية". وهذه النبرة هي ذاتها النبرة الإسرائيلية.