حين أكد جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على مسؤولية العمل الحكومي ووجوب سد الثغرات أمام الفساد، من بين جملة من التنبيهات والتوجيهات السديدة، وذلك في معرض كلمته السامية التي ألقاها في افتتاح الفترة الخامسة لمجلس عُمان بحصن الشموخ أمس الأول، لم يكن الهدف من ذلك مجرد التذكير، وإنما التأكيد على ذلك باعتباره من الثوابت الوطنية التي يجب أن تعطى حقها من الرعاية والاهتمام من قبل جميع الموظفين على مختلف درجاتهم ومسؤولياتهم، وحين نص على ذلك بقوله إن "العمل الحكومي تكليف ومسؤولية فيجب أداؤه بعيدًا عن المصالح الشخصية وتنفيذه بأمانة تامة خدمة للمجتمع. كما يجب سد كل الثغرات أمام أي طريق يمكن أن يتسرب منها فساد"، ذلك ليضع أمام الجميع حقيقة أن الإخلاص في الوظيفة والعمل يقوم عليه بناء المجتمع وتطوره وتقدمه، وصلاح وسعادة الناس وصلاحهم وإسعادهم، وأن الخيانة في الوظيفة والعمل معول هدم للمجتمع وانهياره وتخلفه وضعفه، فيتحول إلى مجتمع عقيم غير منتج تنتشر فيه مظاهر الفساد المتمثل في الرشوة والمحسوبيات والوشاية والفتن والجهل والعنف والفقر، وإذا ما انتشرت أي صورة من صور الفساد كانت أداة هدم لأركان الدولة ومعالمها، فضلًا عن أن ذلك يتنافى مع الرؤى والتطلعات والتوجهات والمساعي الرامية إلى بناء دولة عصرية قوية البنيان صلبة الأركان، كما يتنافى مع التحرك الملموس في بناء المؤسسات الرقابية والتشريعية والقضائية، ومع مجموعة القوانين الصادرة لمعالجة أي إخلال أو تقصير في أمانة الوظيفة أو الاعتداء على المال العام أو إخضاع الوظيفة والمال للمصلحة الشخصية.
إن القانون يمثل أحد العلاجات لتطهير النفس من شهوة الطمع والجشع المفضي بها إلى الفساد بالاستيلاء على المال العام أو جعل الوظيفة مطية للمصالح الخاصة، فهو من الناحية السلوكية والنفسية والعملية كالدواء للمرض العضوي الخطير الذي لابد أن يتدخل لإنهاء المرض أو الحد من انتشاره واستشرائه، ولذلك جاءت نبرة جلالته ـ أعزه الله ـ في هذا الموضع حادة "وعدم السماح بأي شكل من أشكاله ونكلف حكومتنا باتخاذ كافة التدابير التي تحول دون حدوثه، وعلى الجهات الرقابية أن تقوم بواجبها في هذا الشأن بعزيمة لا تلين تحت مظلة القانون وبعيدًا عن مجرد الظن والشبهات. فالعدالة لابد أن تأخذ مجراها وأن تكون هي هدفنا ومبتغانا".
إن الالتزام والفاعلية والفخر والاعتزاز بالوظيفة وبالعمل الشريف أيًّا كانت طبيعته وأداء ما يناط بها بكل مسؤولية وأمانة، كل ذلك يعد أحد المداميك الراسخة التي تقود إلى النجاح وتوفر الوقت والجهد في الإنتاج وخدمة الوطن وتجنب حالات الإرباك وتراكم الإجراءات وتلغي الأساليب الملتوية، وتحول العلاقة بين الموظف والوظيفة إلى حالة عشق والتزام قانوني وأخلاقي، ومن المؤكد أن الموظف الذي تتوافر فيه تلك الصفات ويقوم بواجبه على الوجه الأكمل بإخلاص ونظافة يد وسلوك حسن لا يعطي المظهر الحضاري لمجتمعه، بل ينقله إلى مرحلة متقدمة من التطور والإنتاج، ومن هنا جاءت تلك النبرة الحميمية لجلالته ـ أيده الله ـ تجاه أبناء شعبه الأوفياء المخلصين الذين وجه إليهم التحية بقوله "وفي ختام كلمتنا نتوجه بالتحية والتقدير إلى العاملين المخلصين من أبناء وبنات عُمان في كل موقع من مواقع المسؤولية وإلى كل من يسهم في إعلاء شأن عُمان ورفعة مكانتها ومنزلتها وحماية مكتسباتها والحفاظ على منجزاتها وأمنها واستقرارها". والمؤكد أن مثل هذه الكلمات الحميمية الصادقة في توجهها لها وقعها في القلب والنفس، ولها مفعول كبير في تحريك الكوامن والطاقات وتشجع على المزيد من العطاء والإخلاص والديناميكية في العمل والإنتاج.