في استعراض سريع للمشهد العربي وحالة الاستعصاء التي تمر بها الثورات العربية، يتضح لكل ذي بصر وبصيرة، ان لا بديل عن الحوار بين كافة الفرقاء، بين السلطة وممثلي الحراك الشعبي، بعدما ثبت فشل الاحتكام للخيار العسكري والامني فشلا ذريعا، وهذا ما تؤكده وقائع الثورات اليمنية والسورية والليبية، وتداعياتها الخطيرة على الشعوب الشقيقة والمنطقة كلها.

وفي هذا الصدد، لا بد من التمييز بين الحوار الجاد الهادف، الذي يفضي الى وفاق وطني، ويؤسس لمرحلة جديدة، يقود الى الاصلاح والتطوير والتحديث، وتجذير الديمقراطية والتعددية، وصولا الى تداول السلطة والحكم الرشيد، وبين حوار من اجل الحوار.. وهو ما يلجأ اليه البعض في محاولة للالتفاف على مطالب الشارع، واجهاضها.. وهو ما نشهده في بعض الاقطار العربية، اذ ان فشل الحوار في اليمن وسوريا.. وغيرهما، هو الذي ادى الى الاحتكام للسلاح، وتحويل البلاد الى ساحة معركة تشي بان هذه الاقطار تسير نحو المجهول في ظل انعدام الثقة بين الطرفين ويذكرنا ايضا بالمثال الليبي، وفتح البلاد امام التدخل الخارجي والخسائر الفادحة التي تحملها الاشقاء وقد تجاوزت الثلاثين الف شهيد ومئات المليارات من الدولارات، نزفها الاقتصاد الليبي وخطورة هذا التدخل في ظل الاطماع الغربية للسيطرة على النفط الليبي ومقدرات الشعب الشقيق.

وفي هذا السياق، فلا بد من التذكير بالتجربة الاردنية، وبتوجيهات جلالة الملك للحكومات بضرورة احترام الحراك الشعبي، والحفاظ على حق المواطنين في تنظيم المظاهرات السلمية، والتعبير عن ارائهم، ومطالبتهم بشفافية وفي منتهى الحرية، ما داموا حريصين على الممتلكات العامة والحفاظ على صورة الاردن الحضارية الزاهية.

ولا يفوتنا ان نشير الى تركيز جلالة الملك على الحوار كوسيلة وحيدة للوصول الى الوفاق الوطني، حيث التقى جلالته بممثلي كافة القطاعات والنقابات والاحزاب، وممثلي المرأة والشباب، والطلاب واساتذة الجامعات.. والتقى ممثلي العشائر.. وابناء شعبه الوفي في زيارات متواصلة لكافة مناطق المملكة.. الى الريف والبادية والحضر والمخيمات للوقوف على احتياجات المواطنين، وتلمس مشاكلهم، والتخفيف من معاناتهم.. وقبل ذلك وبعده لحثهم على المشاركة في مسيرة الاصلاح، فالوطن للجميع وهو بحاجة لجميع ابنائه.. لسواعدهم القوية، وعقولهم المبدعة، لمراكمة الانجاز.. وتحقيق النهضة المأمولة، والعبور الى المستقبل بخطى واثقة.

مجمل القول: لقد اثبتت حالة الاستعصاء التي يمر بها الربيع العربي في بعض الاقطار العربية فشل الحلول العسكرية والامنية، وان لا بديل عن الحوار الهادف الجاد، كسبيل وحيد للخروج من الازمة الخانقة، والمأزق الخطير الذي وصلت اليه هذه الاقطار وتنذر بفواجع خطيرة، تهدد استقرارها، وتفتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي.