المتمعن في تاريخ تونس الحديث، يدرك أن فوز حركة النهضة بحوالي 40% من مقاعد الجمعية التأسيسية، في أول انتخابات ديموقراطية، نتيجة بدهية، وذلك عائد إلى سببين رئيسين:
أحدهما: ميل الشعب التونسي إلى الدين والتدين، بوصفهما الهوية الأصلية للبلاد، ما يجعل من تأييد حزب النهضة، شكلا عمليا من أشكال الاحتجاج ضد الشراسة العلمانية السابقة، التي لا تبقي للروح مكاناً، ولا تذر للدين مساحة، فضلا عن الكثير من التجاوزات والفساد اللذين اتسمت بهما فترة الحكم السابقة، مما جعل من التصويت لحزب تقدمي يحترم القيم الإسلامية، فعلاً منطقياً.
والآخر: الحملة المنظمة التي قادها الحزب، دون تطرف يفضي إلى التخوف منه، ودون إفراط يخرجه عن هويته الأساسية؛ إذ لم يرتكب حزب النهضة أخطاء مباشرة، بالحديث عن مواجهة التقدميين الذين يرون فيما تحقق لهم في الفترة الماضية مكاسب حقيقية.
قياديو حزب النهضة، حتى الآن، يلهجون بلغة مناسبة، ويؤمنون بأنهم ليسوا صوتاً واحداً، وإنما هم جزء من حكومة وحدة وطنية، بل إن من الواضح إدراكهم لعدم قدرتهم على إدارة البلاد بانفراد، ما يعني عدم غفلتهم عن طموحات غيرهم، وأن النجاح لن يتأتى إلا من خلال إشراك جميع التونسيين في مرحلة البناء الجديدة.
تونس الجديدة، تحتاج إلى خبرات اقتصادية، تعمل على إنعاش الاقتصاد التونسي المتراجع منذ ثورة الياسمين، وتجد حلولا لمشكلة البطالة التي كانت سببا رئيسا في اندلاعها، بحيث لا تكون القيم الإسلامية سببا في إعاقة اقتصاد البلد، أو صناعة السياحة ذات الأهمية الكبرى في هذا البلد، وذلك ممكن بالاعتماد على المرجعية الإسلامية، مع الإيمان برؤى التحديث.
وتونس الجديدة تحتاج إلى مفكرين قادرين على إدارة النموذج الجديد، إدارة تتجاوز النماذج السياسية المؤدلجة التي فشلت، كي لاتكون سببا في إفشال المشروع السياسي الإسلامي، بل تحوله إلى أنموذج حديث، يؤسس لمفهوم الديموقراطية في إطار إسلامي، وهو المأمول في ظل تصريحات الغنوشي، مع الأمل في أن تكون تلك التصريحات هي الممثل الحقيقي لحزب النهضة.