باختيار مجلس الشورى رئيسه ونائبيه بالاقتراع السري المباشر وفي عدة جولات انتخابية علنية،خلال الجلسة التي عقدها المجلس أمس، يمكن القول إن مسيرة الشورى قد دشنت مرحلة جديدة وعهدًا جديدًا على صعيد الممارسة الديمقراطية تتوج بها رصيد سنواتها التي انطلقت خلالها.

حيث كان المشهد في تلك الجلسة الاستثنائية التي انعقدت بدعوة من جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ معبرًا عن تجربة ونضج واضحين، فقد كان التفاعل بين المتنافسين على منصب الرئيس ونائبيه، وبين الأعضاء أنفسهم وكذلك بين المجتمع الذي كان متسمرًا على الشاشات يتابع سير عملية الانتخاب، حيث كان الترمومتر النفسي قاسمًا مشتركًا بين الجميع وهم يرون عدد الأصوات يرتفع تارة لمرشح وينخفض تارة أخرى لمرشح آخر، والعكس صحيح، ما عبر بحق عن فصل من الممارسة الديمقراطية داخل مؤسسة (برلمانية) تؤكد وبجلاء أن تجربتها في المجال الشوري قد بلغت مرحلة متقدمة من النضج.

 وعكست ذلك الوجه الحضاري الذي ينشده الجميع ( قائدًا وحكومةً وشعبًا)، كما عكست شعورًا موحدًا ومتوحدًا بين سائر الأعضاء بأن المرحلة القادمة هي مرحلة مهمة ومرحلة عمل تتطلب من يقود دفتها تحت قبة المجلس من يملك الأدوات اللازمة للقيادة، ويكون على قدر كبير من تحمل أمانة المسؤولية، ولديه من المؤهلات ما يمكنه أن يسير بالمجلس إلى حيث ما يريده جلالة عاهل البلاد المفدى الذي أتاح لهم هذا الحق، وإلى حيث ما يريده الوطن والمواطن الذي وضع ثقته في هؤلاء الأعضاء.

 ولذلك انصبت أصواتهم في الجولة الثانية على من رأوا فيه الجدارة التي يستحقها، ثم إن الإحساس بالمسؤولية كان هاجسًا واضحًا لدى أعضاء المجلس في جلسة انتخاب النائبين للرئيس بإصرارهم على معرفة الخلفيات التي ينطلق منها الراغب في شغل منصب نائب الرئيس، حتى يكون انتخابهم على بينة.

إن هذه الخطوة تأتي بعد التعديلات الجديدة في بعض أحكام النظام الأساسي للدولة فيما يخص توسيع الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلس عُمان والتي ستضيف رصيدًا معرفيًّا على صعيد ممارسة الإنسان العماني في التعبير عن آرائه في مختلف أنساق العمل الديمقراطي، وتفضي إلى تعزيز الممارسة الديمقراطية من منطلق أن حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع، والمشاركة في البناء حق للجميع، لتمثل في نهاية المطاف أرضية واسعة وصلبة لبناء المؤسسات الديمقراطية التي يتوقف عليها هندسة أركان المجتمع ومؤسساته وقوانينه وأنظمته، الأمر الذي سينشأ عنه وعي سياسي واجتماعي وسيادة مفاهيم حضارية تأخذ بالمجتمع ككل إلى آفاق أرحب وأكثر نضجًا.

ولا أحد يختلف أن الممارسة الديمقراطية ترسي دعائم الاحترام بين الرأي والرأي الآخر وذلك حين تصبح هذه الممارسة ثقافة لدى الجميع، فتعزز بالتالي التوجه القائم نحو إقامة أركان البلاد على جميع المستويات وإرساء منظومة متكاملة من العمل المؤسسي تنظم العلاقة بين الحكومة والمواطنين بما يحقق الأهداف المنشودة من رغبة القيادة في مشاركة الجانبين في مسيرة البناء والتنمية.

نتوجه بالتهاني إلى قائد مسيرة نهضتنا المباركة على هذه الخطوة العملية المتقدمة في العمل الشوروي، وإلى رئيس مجلس الشورى ونائبيه المنتخبين وجميع الأعضاء على هذا الوعي الحضاري الذي عكس الوجه الحقيقي لبلادنا، متمنين لهم النجاح في مهامهم العملية بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.