إضراب أو لا إضراب، ليست هي المسألة، القضية هي: ماذا بعد الإضراب، إذا تحقق، وماذا إذا تحققت المطالب؟
الجواب واحد:  الجميع في مأزق، الحكومة والإتحاد العمالي العام والناس.

مأزق الحكومة أنها تَعِد بما لا تملك، ومأزق الإتحاد انه يهدد بشارعٍ لا يملكه، ومأزق الناس انهم لا يثقون لا بالحكومة ولا بالإتحاد العمالي العام. إذاً حيال هذه المآزق المثلثة الأضلاع، كيف يمكن للبلد أن يستمر؟


هناك ورطة حقيقية ويبدو من الصعب جداً الخروج منها بالصيغ التقليدية التي يتم التداول فيها. فالتباين بين الإتحاد العمالي العام والحكومة كان بلغ مرحلة التناقض، فالإتحاد يطرح مليونا ومئتين وخمسين ألف ليرة كحد أدنى للأجور فيما الحكومة تطرح ستمئة وخمسين ألف ليرة، أي نصف ما يطرحه الإتحاد، فكيف في هذه الحال سيتم تقريب وجهات النظر بين الفريقين في ظل هذه الأرقام المتباعدة؟

وكيف بالإمكان تدوير الزوايا للوصول إلى تسوية؟

لا أحد يملك أي فكرة عما ستكون عليه المخارج، فالمعادلة المؤلمة هي التالية:

إذا حقق الإتحاد مطالبه، وقعت الحكومة في مطبٍ مالي، وإذا بقي الإتحاد على معاناته، تكون الحكومة في وضع مريح ولكن مع تأجيل المشكلة وليس مع حلها.
إذاًُ، هل من مخرج؟

حتى لو تمَّ التوصل إلى مخرجٍ فهو في حد ذاته سيُشكِّل مدخلاً إلى مأزق جديد:
فالحكومة والإتحاد العمالي العام يلحسان المبرد لأن العقدة الحقيقية تتمثَّل في توفير المال.

لا يُخفى على أحد أن توفير المال يحتاج إلى مضاعفة الإستثمارات، ومضاعفة الإستثمارات يحتاج إلى استقرار سياسي، وهذا الإستقرار يحتاج إلى توافق لأن هذا البلد قائم على التوافق. هذه السلسلة مترابطة ولا إمكانية لسحب أي عنصر منها، إذاً السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل من إمكانية لتحقيق كل هذه الأمور؟

من خلال معاينة المشهد الداخلي، لا يبدو ان ما سبق ذكره مُحقَّقٌ، فلا الأجواء توحي بأن الإستثمارات (تنتظر على الأبواب)، ولا المعطيات تُشير إلى ان الإستقرار السياسي مُحقَّق أو سيتحقق في المدى المنظور، ولا التوافق السياسي، خصوصاً بعد تشكيل حكومة اللون الواحد يمكن أن يتحقق.

إذاً، كل عوامل عدم توفير المال موجودة فهل سيتم التفتيش عن مصادر أخرى؟
عملياً، ومن دون مكابرة، هناك مصدران لا ثالث لهما في وضعنا الحالي، لتأمين المال:

الضرائب أو القروض، وفي الحالَين فإنهما يؤديان إلى الإنعكاسات ذاتها:
الضرائب تؤخذ من جيوب الناس اليوم، والقروض تُسدَّد من جيوبهم غداً، إذاً تدور الأزمة دورة كاملة لتعود وتُلقى على كاهل الناس، فما هو الإنجاز الذي سيتحقق لهم?