إن من التحديات التي تواجه الحكومات اليوم هو كيفية بقاء اقتصاداتها في مسارها الصحيح الذي تسير عليه، والبحث عن الوسائل والممكنات التي تحميها من التأثر، وتمكنها من الصمود بحكم علاقاتها بالاقتصادات الصديقة والشقيقة، خاصة وأنه ليس بمعزل عنها، فقد كان واضحًا حجم تأثر اقتصادات كثير من دول العالم بالأزمة المالية العالمية التي لا تزال ذيولها تلاحق العديد من الاقتصادات، بل وتهدد مناطق اقتصادية كاملة عرفت في فترة من الفترات بأنها من أقوى الاقتصادات في العالم، ومستوى مضمونيتها والثقة بها كان إلى أعلى المستويات.

وما دامت التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا بد لها أن تقوم على استراتيجيات، فإن عملية تأثر الاقتصاد وإصابته بالركود والدخول في مرحلة كساد مستشرٍ، والتهديد بأزمة ديون، وانتهاء السيولة النقدية، يعني كل ذلك أن هذه الاستراتيجيات بها خلل، ولم تكن موضوعة وفق دراسة متأنية وكافية، بحيث يمكنها تحقيق الأهداف المرسومة، والعكس صحيح؛ أي سلامة الاقتصاد وقدرته على مقاومة الأزمات والتغلب على التحديات المحيطة به يؤكد سلامة الخطط الاستراتيجية الشاملة والتي تدل على كفاءة واضعيها وقدرتهم على استشراف الآفاق الاقتصادية المستقبلية، والاستفادة من الأوضاع الاقتصادية الحالية التي تشهدها دول العالم.

ويعد اقتصادنا الوطني واحدًا من الاقتصادات التي انبنت على استراتيجيات شاملة وناجحة، حيث سعت حكومة السلطنة مهتدية بالتوجيهات السامية لجلالة عاهل البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى تحقيق معدل نمو سنوي عبر تنويع مصادر الدخل إلى جانب العمل على رفع معدلات إنتاج النفط والغاز وزيادة الاحتياطيات، مع الأخذ في الاعتبار عدم الاعتماد على مصدر النفط وذلك للظروف المحيطة به، سواء من ناحية أنه سلعة قابلة للنضوب، أو من ناحية أنه يخضع للمتغيرات السياسية والاقتصادية صعودًا وهبوطًا.

 وتهدف السلطنة من كل ذلك إلى تعزيز المستوى المعيشي للمواطنين وإرساء بنية تحتية تحقق هذا المسعى، وتعمل على زيادة فرص عمل جديدة للقوى العاملة الوطنية، تواكب الزيادة المطردة في أعداد المخرجات بشتى تخصصاتها التعليمية.

وللحيلولة دون تأثر اقتصادنا الوطني بأي مؤثرات خارجية كالأزمة المالية العالمية راعت الخطط الاستراتيجية والتنموية عوامل عدة من شأنها أن تحافظ على سلامة الاقتصاد وتجنبه المؤثرات، ومن بين هذه العوامل تنمية الموارد البشرية تعليمًا وتأهيلًا وتدريبًا وتطوير مهاراتها وقدراتها، لتتمكن من مواكبة ما يشهده العصر من تقدم تقني وتكنولوجي، وإدارة التغيرات التي تحدث فيه بكفاءة ومهنية عاليتين، وكذلك إعطاء القطاع الخاص الثقة ووضعه أمام مسؤولياته بعد أن قدمت له الحكومة المناخ المناسب من تشجيع وتحفيز، سواء بالدعم وتسهيل الإجراءات أو بتشريع القوانين التي تخدمه بالدرجة الأولى لكي يكون قطاعًا فعالًا ومشاركًا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يعطي الأولوية في شغل الوظائف للقوى العاملة الوطنية، حيث من المتوقع أن تصل مساهمته في الاستثمار الإجمالي إلى نحو 91 بالمئة في عام 2020م.

 ومن بين العوامل أيضًا عامل الشفافية والحرية الاقتصادية، وكذلك توفير البيئة الملائمة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية لإقامة المشاريع الاستثمارية والإنتاجية الكبيرة، ونجاح هذين العاملين يؤكده ما يوجد على أرض السلطنة الآن من استثمارات أجنبية تتوزع أفقيًّا ورأسيًّا، سواء في قطاع الصناعات أو الموانئ والمواصلات والاتصالات. وإذا كان الاستقرار المالي برز كأحد التحديات الرئيسية التي تواجه صناع السياسات المالية والنقدية والاقتصادية في أعقاب الأزمة المالية العالمية الراهنة، فإن تأكيدات المسؤولين الاقتصاديين والماليين أن الوضع المالي في السلطنة مستقر، تبرهن على نجاح الاستراتيجيات الشاملة في بلادنا، خاصة وأن مبدأ الشفافية والإفصاح الذي تتبعه الحكومة يبين مدى النمو المتواصل الذي يحققه اقتصادنا الوطني والوفرة في السيولة والعائدات، حيث يعد مرتفعًا عن الفترة السابقة رغم زيادة المخصصات المالية لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين، وتوفير فرص العمل، وزيادة مخصصات ذوي الضمان الاجتماعي والمتقاعدين، ومضاعفة العلاوات للطلاب في الخارج أو الذين يدرسون في الكليات والجامعات داخل السلطنة.

إن هذا الإفصاح والشفافية المتبع والنمو الجيد الذي يشهده اقتصادنا إلى جانب التنويع الاقتصادي، وسن القوانين ووضع التسهيلات أمام المستثمرين وارتفاع أعداد المستثمرين ورؤوس الأموال، كل ذلك يؤكد على صحة خططنا التنموية وسلامتها التي تعكس بالمقابل الفكر الجيد وحكمة التخطيط لدى قيادتنا الحكيمة.