في الوقت الذي خطا فيه الفلسطينيون خطوتهم الأولى في طريق نيل الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية وقبول عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة، خرجت الولايات المتحدة ممثلة في رئيسها باراك أوباما ومن على منبر الجمعية العامة رافضة هذه الخطوة، حيث دعا أوباما المجتمع الدولي إلى سد الطريق لمنع تقدم الفلسطينيين، بل وإجبارهم على الرجوع إلى أرضهم المحتلة وجرهم إلى براثن الاحتلال عبر ما يسمى بالمفاوضات التي يفضلها حلفاؤه الإسرائيليون أولًا ويتبناها هو ثانيًا.
وأيضًا وفي الوقت الذي يخطو فيه الفلسطينيون خطوة جديدة على طريق الاعتراف عبر تقدمهم بطلب العضوية لمنظمة التربية والعلم والثقافة التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) تخرج أيضًا الولايات المتحدة ممثلة هذه المرة بوزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون لاعتراض هذه الخطوة، حيث حثت المجلس التنفيذي لليونسكو على التفكير ثانية قبل المضي قدمًا في إجراء التصويت، متحججة بأن القرار الخاص بالوضع الفلسطيني يجب اتخاذه في الأمم المتحدة لا في منظمات فرعية تكون تابعة للأمم المتحدة، معتبرة أنه أمر "يتعذر تفسيره"، مهددة بقطع مساهمة الولايات المتحدة التي تدفع 22 في المئة من ميزانية اليونسكو.
وقد وافق 40 عضوًا من أعضاء الهيئة البالغ عددهم 58 عضوًا لعرض الطلب للتصويت أمام المؤتمر العام للدول الأعضاء في المنظمة وعددها 193 دولة.
إن هذا الموقف الأميركي الجديد من الحق الفلسطيني المشروع، يعبر عن تناقض جديد وفاضح للسياسة الأميركية، ومخجل في الوقت ذاته بالنسبة للمواطن الأميركي العادي دافع الضرائب، حين يرى بلاده وهي تقف حجر عثرة ضد الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وتساند وتدعم بكل ما تملك من سياسة ومال وسلاح كيانًا يمارس الإرهاب صباح مساء، ليل نهار، كيانًا غاصبًا محتلًّا يقتل الأطفال والنساء والشيوخ، ويهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، ويمارس سياسة عنصرية فاقت (الأبارتهايد) المعروفة في كل شيء، يقتلع البشر والشجر والحجر، ولا يعترف بالآخر. من المؤكد أن دافع الضرائب الأميركي سيصاب بالصدمة حين يرى إدارة بلاده التي تدعم بكل قوة وول ستريت التي خرج ليتظاهر مطالبًا بإرجاع حقوق الناس وبتشريعات عادلة ومنصفة، تلغي الطبقية، أن إدارة بلاده تقدم الدليل العملي المادي لا النظري على دعمها نظامًا متمردًا على الشرعية الدولية.
نعم إنه دليل آخر تقدمه الولايات المتحدة راعي السلام وعضو اللجنة الرباعية الدولية لسلام الشرق الأوسط، على عدم نزاهتها وعدم حياديتها، بل تؤكد انحيازها التام والمطلق لحليفها الاستراتيجي في المنطقة الكيان الإسرائيلي المحتل الذي تتوهم أنه هو رأس الحربة الحامي والداعم لمصالحها في منطقة تتوزع فيها المصالح الأميركية وتتوزع فيها أيضًا مشاعر الغضب والرفض للمواقف الأميركية الممالئة لمصدر عدم استقرار هذه المنطقة وهو الاحتلال الإسرائيلي، واعتماد سياسة الكيل بمكيالين في التعامل فيما يخص القضية الفلسطينية تحديدًا.
نفهم مغزى الغضب الأميركي من منظمة اليونسكو لكونه يضاعف حجم الحرج الذي ستصاب به حين تستخدم الفيتو لإحباط طلب الاعتراف الفلسطيني بالدولة، خاصة وأنها الآن تلعب على عامل الوقت لتمييع الطلب وإذهاب روح الحماس لدى الفلسطينيين لتفادي حرج الفيتو الذي تملكه في مجلس الأمن ولا تملكه في اليونسكو وتحاول أن تستعيض عنه بالتهديد بقطع المساعدة، هذا أولًا. وثانيًا أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل اليونسكو يرتب مسؤولية على المنظمة تجاه المقدسات والآثار العربية والإسلامية والتراث الإنساني بصورة عامة في الأراضي الفلسطينية لا سيما في مدينة القدس المحتلة التي يواصل الاحتلال طمس هويتها العربية والإسلامية لسلخها تمامًا من هويتها، وبالتالي فإن الولايات المتحدة ليست شريكًا في معاداة الحق الفلسطيني في الحرية والسلام والاستقرار، وإنما شريك أيضًا في طمس الموروث الحضاري والتاريخ البشري في فلسطين التاريخية.
نعتقد أن الولايات المتحدة من الواجب عليها إعادة النظر في سياستها فيما يخص الصراع العربي ـ الفلسطيني، خاصة وأن المؤشرات تشير إلى أنها مقبلة على أزمات طاحنة تحتاج إلى تنشيط مصالحها في المنطقة بصورة كبيرة لتدارك أزماتها القادمة، وهذا النشاط يتوقف بدرجة كبيرة على ما تبديه من التزام عادل يقر بحقوق الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.