حين أعلنت اللجنة الرباعية الدولية لسلام الشرق الأوسط عن مبادرتها بدعوة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للعودة إلى مائدة المفاوضات دون شروط مسبقة، لم يكن ثمة شك في أن الإسرائيليين سيرحبون بالمبادرة، خاصة وأنها جاءت لتقطع الطريق على الفلسطينيين من مواصلة خطواتهم لاستكمال طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية وقبولها عضوًا في الأمم المتحدة، وذلك بناء على عبارة "دون شروط مسبقة" التي رجحت الكفة الإسرائيلية وتبنت بالتالي الشروط الإسرائيلية، ثم تخصيص موضوع الأمن في الجدول الزمني الذي يجب على الجانبين أن يضعاه لانطلاق المفاوضات، وكأن المراد من ذلك هو خلق وظيفة جديدة للشعب الفلسطيني وهي وظيفة شرطي حراسة لقطعان المستوطنين، مقابل رفدهم بمواد استهلاكية تمكنهم من ممارسة حياتهم والقيام بأعباء الوظيفة الجديدة.

لذلك فإن الترحيب الإسرائيلي بدعوة الرباعية والنص فيه على "دون شروط مسبقة، كما دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو"، ودعوة الكيان الإسرائيلي السلطة الفلسطينية "لفعل الشيء ذاته وللدخول في مفاوضات مباشرة دون إرجاء"، لم يكن هذا الترحيب مفاجئًا؛ لأن صيغة الدعوة التي وصفت بأنها فضفاضة إذا كانت واضحة بالنسبة للجانب الإسرائيلي ولا تحتاج إلى عناء لتفسيرها، فإنها في المقابل هي غامضة بالنسبة للجانب الفلسطيني الذي حاول أن يبذل جهدًا عميقًا لاستنباط ما يمكنه على الأقل من الترحيب، وحتى لا يظهر الفلسطينيون أمام الرأي العام العالمي بأنهم رافضون للتفاوض، محاولين الخروج من هذه الزاوية التي يريد المحتل الإسرائيلي أن يحاصرهم فيها.

وما دام لكل من الجانبين تفسيره الخاص لفهم المبادرة فإن الفلسطينيين كانوا موفقين في عملية التفسير والاستنباط من النصوص الواردة ببنود المبادرة والتي تشير إلى استمرار البيانات والمرجعيات السابقة والتي تشمل خطة خارطة الطريق التي تنص على وقف الاستيطان وقيام دولة فلسطينية مستقلة، كما يستنبط من عبارة "وضع حد للاحتلال الذي يرجع إلى 1967" الاعتراف بحدود الرابع من يونيو عام 1967م.

وبناء على ذلك فإن تمسك الفلسطينيين بهذه المرجعيات لبدء المفاوضات مشروع وحتمي، وبالتالي ترحيب المحتل الإسرائيلي بالدعوة دون الوفاء بهذه المرجعيات والالتزام بها لبدء المفاوضات لا يمكن حمله إلا على أنه مراوغة وخداع بهدف خلط الأوراق وإدخال الأطراف الدولية في متاهة ولعبة جديدة ينطبق عليها الجدل (أيهما جاء أولًا البيضة أم الدجاجة؟).

يقيننا أن المحتل الإسرائيلي لن يقبل التفاوض بشرط وقف الاستيطان والاعتراف بحدود عام 1967م، وسيعمل على ممارسة ضغوط عديدة على الجانب الفلسطيني للقبول بالدعوة الرباعية والتشهير به إن رفض ذلك، ما يستوجب على الفلسطينيين والعرب التمسك بالاعتراف بالمرجعيات السابقة بالإضافة إلى ضرورة وضع جدول زمني ينتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، والبحث عن خيارات وبدائل لمواجهة عمليات الالتفاف الإسرائيلية ووضع حد لسياسة النفاق والممالأة للمحتل الإسرائيلي والعقاب ضد الشعب الفلسطيني والتي تمارسها الأطراف الدولية الحليفة للكيان الإسرائيلي، ولعل أهمها دعم الموقف الفلسطيني المتمسك بثوابت التسوية السياسية المشرعنة دوليًّا عبر سلسلة من القرارات، وتكثيف المساعدات المالية لإحباط أثر التهديد بقطع المساعدات الأميركية والغربية، ويعد الموقف المصري المؤيد للموقف الفلسطيني في تمسكه بخيار استئناف المفاوضات على أساس مرجعية واضحة ووقف الاستيطان الإسرائيلي، وأن تتم تلك المفاوضات في إطار زمني واضح ومحدد ومتفق عليه وبرعاية دولية، موقفًا مناصرًا يجب أن تحذو حذوه كافة الدول العربية حتى يشعر المحتل الإسرائيلي ومناصروه بأن العرب فعلًا لا قولًا فحسب يشكلون جدارًا قويًّا يسند الفلسطيني ويشد أزره.