حينما تعاني نظم سياسية من أمية في قراءة نبض شعوبها، فإن هذه النظم تستمرئ أن تمضي وراء استبدادها كونها مصابة بخيلاء تصور لها كل تفاصيل مشاهد الرفض على غير حقيقتها.
إنها ـ النظم ـ لا تصدق أن زمن الرحيل قد أزف، وأن توق الشعوب للتغيير والانعتاق من أغلال الاستبداد وعفن الفساد يتحول تدريجيا إلى مدد ثوري متصل، وإلى موجات من المواجهات تتحدى العنف والبطش، أيا كان منسوب التوحش الذي تمارسه. ومن ثم فبدلا من ثورة بيضاء تنتقل بمقتضاها مقاليد السلطة والحكم، فإن التغيير يتلون بلون دم الشهداء الذي يتدفق دون حساب، ومن غير رهبة.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل أن عدد الشهداء الذين يسقطون كل يوم في سوريا أو اليمن صار خارج حسابات النظامين؟ وهل أن استمرار البطش بالمحتجين يقنعهما أن ما يحدث له خاتمة في أمد قريب لصالح البقاء في سدتي الحكم على جثث مئات الشهداء ودون اعتبار لأنين الأرامل والثكلى، وأن الأمور يمكن أن تستقر لهما ثانية، بعدما أصبح هناك شهيد في كل بيت في مدن يجللها السواد على فلذات.
ألا يستوجب الأمر أن يقتنع هذان النظامان أنهما يوغران صدور عائلات عديدة، هم أسر الشهداء والضحايا، بثأر وحزن ونزف نفسي لا يتوقف، ومن ثم فكيف يمكن لنا تصور أن يتعايش النظامان مع مجتمعيهما اللذين كابدا كل هذه الفوضى والدماء؟، وكيف يمكن أن يستند النظامان إلى قاعدة شعبية أصيبت بتضعضع وشروخ، وتنامى فيها حجم المعارضة، مما يهيئ لقرارات أممية سوف يدفع ثمنها الشعبان الشقيقان، إثر عقوبات وإجراءات ضاغطة؟ ألا يستدعي كل ذلك النزول عند إرادة الشعوب لا اغتيالها في وضح النهار.