لا تزال الأوضاع في منطقتنا العربية تعاني من طول فترة حالة عدم الاستقرار، خاصة في الدول التي تعيش ثورات تطالب بالتغيير، ما يجعل من هذه الحالة عاملًا مهددًا لتراجع عمليات الإنتاج والتنمية وهدر الطاقات، وعاملًا مهددًا لوحدة المجتمعات التي ظلت محافظة على تماسكها ووحدتها.

وللأسف ثمة ما يطيل أمد حالة عدم الاستقرار في المجتمعات التي تشهد ثورات، ألا وهو تمترس كل من الأنظمة والمعارضة على آرائه مُبقيًا على خياراته، رافضًا كل طرف إعطاء تنازلات بما يؤدي إلى الهدوء ويحفظ الاستقرار، الأمر الذي ترتب عليه لجوء كل طرف إلى وسائل يرى أنها الوسيلة المناسبة لانتزاع ما يريده، فإذا كان النظام قد لجأ إلى استخدام القوة باعتباره مالكًا لها من خلال الأجهزة الأمنية والعسكرية وقابضًا على الثروة التي تعينه، فإن الطرف الآخر وهو المعارض الذي يجد نفسه لا يملك أدوات يقارع ويقاوم بها، رأى أن اللجوء إلى الخارج أسهل طريق لإحداث التغيير وتحقيق مآربه.

لسنا ضد المطالبين بالتغيير ولا ضد النظام الذي يكون صادقًا مع نفسه ومع شعبه ويحاول أن يصغي إلى مطالب شعبه، لكن إبقاء كل من الطرفين على تصلبه وتمترسه معناه حصول مواجهة بينهما تؤدي إلى العنف وإراقة الدماء لتزداد الأمور أكثر تعقيدًا، ما يفتح أبواب التدخلات الأجنبية على مصاريعها قد يرى فيها الطرف المعارض مخرجًا له، وبالتالي فإن تدخل هذا الأجنبي لا يكون بشروط طالبيه، وإنما بشروطه هو التي يضعها بداية، مستهدفًا بها تحقيق مصالحه أولًا، ومصالح الحليف الإسرائيلي ثانيًا، رافعًا نحو ذلك شعارات تحمل مضامين ومعاني إنسانية براقة تدغدغ العاطفة، في جوهرها هي ذات شعارات الاستعمار القديم الذي كان يحمل شعارات محاربة الرق والعبودية وحرية الملاحة البحرية والحرية وغيرها من الشعارات، وهذه الشعارات هي نفسها اليوم وإن اختلفت في الألفاظ لتكون شعارات حرية التعبير والديمقراطية وحماية المدنيين وحقوق الإنسان ورفع الظلم والقضاء على الدكتاتورية، فالإنجليزي والفرنسي في الاستعمار القديم هما ذاتهما في الاستعمار الجديد الذي غير صيغة شعاراته إلى ما يسمى بـ"حماية المدنيين وحماية حقوق الإنسان".

فما يجري على سبيل المثال في ليبيا نموذج على ذلك، فإذا كان التدخل الأجنبي قد نجح في إزاحة نظام دكتاتوري مستبد جثم على صدر الشعب الليبي ما ينيف على أربعين سنة، فإن هذا التدخل لم يكن إلا بشروط المتدخلين، ولم يكن لسواد عيون الشعب الليبي الذي من حقه أن ينعم بالحرية وبالعدالة الاجتماعية وبالتوزيع العادل للثروة، وقد كان هذا واضحًا من خلال محاولة بعض الدول، التي كانت تناصر القذافي وتعارض التدخل، اللحاق بركب المتدخلين والتأكيد على حقوقها في كعكة النفط وإعادة الإعمار.

وبالنسبة لسوريا التي لها وضعها الخاص لكونها دولة مواجهة مع الكيان الإسرائيلي المحتل، فإن الشراكة الوطنية وبحث الملفات العالقة على طاولة الحوار وحرص كل من النظام والمعارضة على تقديم التنازل بما يخدم المصلحة الوطنية ويحفظ وحدة سوريا، هو المخرج الأنسب لحل الأزمة وحقن الدماء، وهو الحصن الذي يمنع فرصة التدخل الأجنبي ويفوت عليه رغبته في التدخل لإحداث التغيير بما يتفق مع مصلحته ويؤمن مصالح المحتل الإسرائيلي ويمكنه، لأنه متى ما رأى فرصة التدخل وتم تسهيل الأمر له سيكون تدخله بشروطه هو التي تخدم مصالحه ومصالح حليفه الأوحد الكيان الإسرائيلي المحتل.

وليس أدل على أن الأجنبي يبحث عن مداخل ينفذ منها في البلدان التي تشهد ثورات، من محاولته الآن تدارك عجزه عن التدخل في بداية الثورة المصرية، بأن يحاول الآن أن يوجد فئات مناصرة تؤمن له تأثيره حتى ولو من وراء الحدود.

لذلك نأمل أن يكون هناك حوار جدي لا هدف له سوى تحقيق شراكة حقيقية تنعكس إيجابًا على الوضع الداخلي وتقوي من الوحدة الوطنية وتحفظ الاستقرار، وتحقن الدماء وتوفر هذه الطاقات المهدرة في المواجهات نحو التنمية والبناء، فعدم الاستقرار دائمًا يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني يسمح لأصحاب المصالح والمغرضين بانتهاز فرصة العبث بالأمن والمقدرات وتنفيذ الاغتيالات والشواهد على ذلك كثيرة للوصول إلى الهدف المنشود الذي أقله دوام حالة عدم الاستقرار خاصة بالنسبة لسوريا.

 فهل يسارع الوطنيون السوريون إلى تدارك الموقف لإنقاذ وطنهم من مستنقع التدخل الأجنبي الاستعماري.