تتوزع في العالم اليوم العديد من المشاكل والمعوقات التي تعرقل حركة التنمية والتطور الإنساني والعمراني وحركة الإنتاج، بدءًا بالعوائق التي تقف أمام الشباب باعتبارهم القوة البشرية وعصب الحياة، مرورًا بالنزاعات وانعدام الحريات، ومثلث الرعب المتمثل في الفقر والجهل والمرض وانتهاء بالكوارث الطبيعية وتأثيرات المناخ على الأمن الغذائي.

وحول هذه المعوقات جاءت كلمة السلطنة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي ألقاها معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، جامعةً مانعةً، واضعةً الإصبع على الداء، ومقدمةً الوصفة العلاجية الناجعة والتي لم تكتفِ بعملية الوصف، وإنما أعلنت السلطنة من خلال كلمتها أنها على رأس صانعي العلاج ومقدميه للحد من المشاكل ومعالجة قضايا الشعوب، وهذا يعد في حد ذاته عملًا إنسانيًّا كبيرًا، يعبر عن مشاعر إنسانية صادقة، ومدى صدق التوجه والرغبة الأكيدة في العمل الذي يتطلب تضافر الجهود الدولية لا الفردية.

نعم إن العالم يشهد تحولات عميقة في التركيبة الديموغرافية لشعوبه، حيث أصبح الشباب يمثلون الغالبية من حيث التعداد، الأمر الذي يتطلب تبني الخطط للاستفادة من طاقات هؤلاء الشباب واستغلالها الاستغلال الأمثل فيما يعود بالخير على التنمية والاستقرار وتطور الحياة البشرية، ولذلك فإن الاهتمام بالشباب تعليمًا وتدريبًا وتأهيلًا هو السبيل نحو التنمية المستدامة، والوسيلة المثلى في عمليات الاستثمار، وهذه الرؤية لم تغب عن القيادة الحكيمة في بلادنا، حيث حرص جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على إيلاء الموارد البشرية وخاصة الشباب الرعاية اللازمة كونهم الذين يقودون قاطرة التقدم والتطور في البلاد، وبالتالي انطلاقًا من مبدأ الحرص على الاهتمام بالشباب كان لا بد من نقل تجربة السلطنة في هذا الجانب إلى العالم وتعريفهم بذلك.

ومن المناسب التذكير في ظل الحديث عن الشباب ودورهم في عملية البناء والتنمية بما يعانيه الشعب الفلسطيني وشباب فلسطين كمكون رئيسي من مكونات شعبهم المناضل اليوم من احتلال وحصار ظالمين وقتل وقهر وتهجير واعتقال داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ومنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي عنه الحرية والتضييق عليه، ومماطلته في الاعتراف به وبوجوده، حيث لا مخرج إلى الحرية لهذا الشعب سوى الاعتراف به وبحقوقه وإقامة دولته على حدود الرابع من يونيو 1967 والاعتراف بالدولة في المنظمة الدولية التي يقع على عاتقها المسؤولية الأخلاقية في إرجاع الحق الفلسطيني لأصحابه الحقيقيين والأصليين.

على الجانب الآخر وفي أكثر من بقعة من بقاع العالم هناك من يقبع فريسة لمثلث الرعب المتمثل في الفقر والجهل والمجاعة، حيث غرس ـ ولا يزال ـ أنيابه في أجساد وبطون الشعب الصومالي الذي حصدت منه المجاعة والمرض آلافًا من الأطفال، إلى جانب العنف المستشري الذي يمزق أوصال الصومال، وانطلاقًا من المسؤولية الإنسانية والدينية أن تنهض المؤسسات الدولية لإنقاذ ذلك البلد من مثلث الرعب والعنف. وفي اعتقادنا أن حل الأمر ليس بتلك الصعوبة ـ كما بينته كلمة السلطنة ـ حيث لا بد من تكاتف الجهود واشتراك المنظمات الإقليمية والدولية في وضع خطة لإحلال السلام وزيادة المساعدات الغذائية.

وفي جانب آخر، ليس بخافٍ أن تقديرات الخبراء تشير إلى أن العالم قد يقبل على أزمة غذائية عالمية وأول من تفترسه ويقع ضحيتها الشعوب الفقيرة، وتعد تأثيرات المناخ والاحتباس الحراري نتيجة الممارسات السلبية التي من شأنها رفع درجة حرارة كوكب الأرض، وما تخلفه المصانع وحركة المواصلات من عوادم وغازات، وما تشهده الأرض من أعاصير وزلازل، من العوامل التي فاقمت من أزمة الغذاء، وبالتالي من الحري التوسع في الإنتاج باستصلاح الأراضي وتوسيع المساحات الزراعية ومكافحة التصحر بتوظيف وسائل التكنولوجيا الحديثة وما يفرزه العلم من أدوات وابتكارات في هذا الجانب، والحد من نسبة الانبعاثات الغازية والتلوث البيئي.

وهكذا ومن خلال كلمتها في هذا المحفل الدولي أكدت السلطنة أنها خير عون للمجتمع الدولي بفضل الآراء والرؤى التي قدمتها له في ثنايا كلمتها لمعالجة مشكلات العالم، صابةً جهدها في بوتقة جهود الدول الحريصة على معالجة هموم ومشكلات البشرية لجعل عالمنا عالمًا مستقرًّا ومنتجًا وناميًا ومتطورًا ينعم بالعدالة والتقدم والحرية والسلام.