انطلقت أمس أعمال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كالعادة بكم كبير من الكلمات لرؤساء الدول الأعضاء في المنظمة الدولية أو رؤساء الوفود على منبر الجمعية العامة، حيث كانت لافتة كلمات الافتتاح التي ركز كثير من مفاصلها على قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي وما يسمى عملية السلام والموقف الفلسطيني من طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
غير أن الأشد لفتًا للانتباه ما جاء في ثنايا كلمة الرئيس الأميركي باراك أوباما التي حملت تناقضًا كبيرًا يؤكد أن أوباما ليس جادًّا في ما سبق وطرحه من أفكار تخص عملية السلام، وإنما رؤاه السابقة واللاحقة هي مجرد وعود جوفاء وكلمات فضفاضة تباع لنا لتحقيق مصالح، بينما في المقابل يعطى الكيان الإسرائيلي المحتل مواقف مصبوغة بصبغة دولية والعمل على إكسابها صفة الشرعية ومشفوعة بدعم مادي وعسكري غير مقنن.
أوباما في مثل هذا اليوم من العام الماضي وقف على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة مخاطبًا العالم أجمع بما فيه الكيان الإسرائيلي المحتل بأنه يأمل أن يرى دولة فلسطين عضوًا كاملًا في الأمم المتحدة في سبتمبر المقبل (أي سبتمبر الجاري)، وقد أنعش الذاكرة الجمعية في كلمته أمس بالقول "قبل عام أعربت من على هذا المنبر عن الأمل بقيام فلسطين مستقلة.
كنت وما زلت أومن بهذا الأمر اليوم بأن الفلسطينيين يستحقون الحصول على دولة لهم".
والتعبيران كافيان لإقامة الدليل على مدى نكوص أوباما وتخليه عما أوهمنا بأنه يؤمن به، وكافيان لمزيد من خيبة الأمل من المواقف الأميركية المتخاذلة والمتتابعة التي بانت بأنها مواقف كلامية للاستهلاك الإعلامي الهدف منها تحسين الصورة للولايات المتحدة التي تهاوت صورتها إلى الحضيض بفعل استعداء الشعوب وشن الحروب عليها تحت مسميات زائفة لا غرض من ورائها سوى تحقيق مشاريع وأجندات للسيطرة على المنطقة فقط، مع أن الرئيس أوباما يعلم أنه أوتي به ليقود مسارًا تصحيحيًّا في السياسة الأميركية العرجاء التي تسبب فيها سلفه جورج بوش.
وعلى أثر ذلك كان شعاره الشهير في حملته الانتخابية (التغيير)، وكما هو معروف أن التغيير دائمًا يكون إلى الأحسن والأفضل، غير الذي نراه أن التغيير ـ على الأقل فيما يعلق بقضايانا ـ يسير للأسوأ، حيث سار ـ اختيارًا أو إجبارًا ـ على خطى سلفه بوش (الصغير) في الانحياز الأعمى للكيان الإسرائيلي وتبني الشروط الإسرائيلية ليبني عليها مواقف تضر بالسلام والمصالح معًا.
ثم إن أوباما يعلم تمامًا وليس بحاجة إلى من يدله أو يذكره بأن الحوار الذي يراه السبيل الوحيد للحل قد جُرب مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة يتملص ويراوغ ويسوف الجانب الإسرائيلي الذي يلوح أوباما لمناصرته بالفيتو لردع خطوة الجانب الفلسطيني بعدما يئس من حوار الطرشان الذي يسلكه الجانب الإسرائيلي.
كما أن أوباما إن كان لا يدري، فعليه أن يدري أن الشعب الفلسطيني هو شعب حاله حال بقية شعوب المنطقة الذين يشيد بهم ويصفهم بأنهم ذوو كرامة وشجاعة في سعيهم إلى العدالة والحرية، فكما هؤلاء لهم الحق في ذلك فإن الشعب الفلسطيني له الحق في الحرية واسترجاع حقوقه المغتصبة، وهذا تناقض آخر، يشير إلى أن السياسة الأميركية القائمة على الكيل بمكيالين لن تتغير، وبالتالي في تصورنا ما دامت هي كذلك فإن الولايات المتحدة لن تتغير صورتها في مخيلة وعاطفة المواطن العربي.
فكيف تتفق الإشادة بنضال الشعوب العربية من أجل الحرية وبين دعوة الفلسطينيين إلى المفاوضات بشكل مجرد ودون أسس واضحة لها مع المحتل الإسرائيلي الذي يتهددهم ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويعمل على إلغائهم كطرف أصيل في الصراع؟
نتمنى من أوباما أن يكون أكثر تركيزًا وهدوءًا ويبتعد عن عاطفته ويغلب صوت العقل والمنطق، ويستمع إلى أصوات العقلاء، فليستمع إلى الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف التي أعلنت أن بلادها الدولة غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن "ترغب في عضوية كاملة لفلسطين" في الأمم المتحدة، مؤكدة "وحدها دولة فلسطينية حرة تتمتع بسيادة قد تلبي الرغبات المشروعة لإسرائيل لإرساء السلام والأمن ضمن حدودها والاستقرار السياسي في المنطقة".
ونحن بدورنا نذكر أوباما بأن بقاء القضية دون حل جدي لا يعني سوى تهيئة الظروف لاندلاع العنف وعدم الاستقرار.