ليس من المبالغة في شيء القول بأن الغيوم التي ظهرت في أجواء العلاقات العراقية ـ الكويتية خلال الأيام الأخيرة ، وما صاحبها من جموح لبعض التصريحات والتعبيرات التي تصور الكثيرون أنها انتهت وتلاشت من قاموس العلاقات بين الأشقاء، سواء بين العراق والكويت أو بين أي من الدول العربية الشقيقة وبعضها، قد أثارت ليس فقط الاهتمام ولكن الترقب والتساؤل على الأقل حول أسباب مثل تلك التحرشات ومن يدفعون بها إلى السطح، خاصة في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة من أقصاها إلى أقصاها؟
صحيح ان هذه الفترة من أغسطس تحمل ذكريات أليمة للشعب الكويتي الشقيق، على امتداد العشرين عاما الماضية، وذلك بسبب الاجتياح الغاشم للأراضي الكويتية في الثاني من اغسطس عام 1990 واحتلال الكويت حتى تحريرها في فبراير 1991.
ولكن الصحيح أيضا هو أن العلاقات العراقيةـ الكويتية قد تجاوزت الكثير من هذه الآلام خلال السنوات الماضية، وأخذت تستند وترتكز على مبادئ ومقومات تحتل الأولوية الأولى لدى القيادتين والشعبين الشقيقين في الكويت والعراق وفي مقدمتها احترام السيادة ووحدة الأراضي وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم اللجوء إلى القوة أو التلويح بها لفض الخلافات، والاحتكام إلى القانون والشرعية الدولية، وغير ذلك من المبادئ والقواعد التي تحكم العلاقات بين الأشقاء.
ومن ثم فإنه لا محل لتصريحات أو تلميحات أو إشارات مبطنة لا يمكن الا أن تؤثر سلبا على العلاقات والثقة المتبادلة التي تحتاج الدولتين والدول العربية جميعها إلى ترسيخها بين الأشقاء على كل المستويات، وفي كل المناسبات، على الاقل حتى ننجح جميعنا في تجاوز خبرات الماضي السلبية ونتجه إلى بناء مستقبل أفضل لكل دول وشعوب المنطقة، وبما يخدم مصالحها المشروعة والمتبادلة اليوم وغدا.
ومع الوضع في الاعتبار ان القيادات العراقية والكويتية الشقيقة حرصت ببعد نظرها على تجاوز أية محاولات للمساس بالعلاقات العراقية ـ الكويتية أو إثارة المخاوف حولها، خاصة وأن هناك قوى لا تريد لهذه العلاقات أن تسير في الطريق الصحيح والمستقر لخدمة المصالح المشتركة بين الدولتين الجارتين، فإنه من المأمول أن تنجح الاتصالات الجارية بين الحكومتين والقيادتين العراقية والكويتية في تجاوز أية خلافات بادية، أو بالأحرى مخاوف أو تحفظات على هذا الجانب أو ذاك بشأن مشروع ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان الكويتية وما يمكن ان يترتب عليه من آثار على ميناءي الفاو والبصرة العراقيين في مصب الخليج.
وانطلاقا من الحاجة الحقيقية للدولتين والشعبين العراقي والكويتي ودول وشعوب المنطقة ككل لتجاوز أية خلافات وإرساء العلاقات على أسس تحقق المصالح المشتركة والمتبادلة وتتماشى أيضا مع مبادئ القانون الدولي واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بحسن الجوار، فإن القيادتين العراقية والكويتية قادرتان على تفويت الفرصة على أي طرف يريد إثارة المخاوف أو الخلافات بين العراق والكويت اللتين ربطت بينهما علاقات طيبة وقوية وعميقة ومتداخلة لقرون طويلة، وهو ما تتضاءل أمامه آلام التسعينات، خاصة وأن هناك تطلعا لمستقبل أفضل وأكثر استقرارا وتقدما لكل دول وشعوب المنطقة دون استثناء. ولذا لا مناص من ترطيب الأجواء بينهما وبأسرع وقت ممكن.