تقدَّم الاردن خطوة جديدة نحو ترسيخ الاستقرار واستكمال عملية البناء الديمقراطي التي بدأت منذ عشرينات القرن الماضي, وظهرت معالمها واضحة في السنوات التي تلت ذلك, ووصلت الى مرحلة متقدمة في عهد الملك عبدالله الثاني الذي تعهد منذ تسلمه سدة الحكم ان يسير بالمملكة في طريق العصرنة بخطى ثابتة, وكل ذلك اثمر سلسلة اصلاحات سياسية اقرت في الاشهر الاخيرة, وتوجت بالتعديلات الدستورية التي تضع المملكة في مصاف الدول الاكثر ديمقراطية في العالم.


بهذه الخطوة الكبيرة والتاريخية حمى الملك عبدالله بن الحسين الاردن من المتاجرين بما سمي "الربيع العربي" الذين يحاولون استخدام توق الشعوب الى مزيد من الحرية لابتزاز الانظمة المستقرة في سبيل تحقيق مكاسب خاصة, لاعلاقة لها ابدا بمطالب الناس.

ان لغة الخطاب بين الحاكم المطمئن لولاء شعبه تظهر بوضوح في المناسبات ولذلك شاهدنا كيف ان الملك عبدالله الثاني وبرقي كبير اعلن موافقته على التعديلات الدستورية التي رفعتها اليه اللجنة الملكية المكلفة هذا الملف ليفتح عصرا جديدا في تاريخ حركة البناء السياسي الديمقراطي المستمرة منذ عقود في المملكة الاردنية الهاشمية التي استطاعت بفضل ذلك تخطي الكثير من العقبات والمنعطفات بسهولة في مراحل ماضية ومراكمة خبرة تغني التجربة الرائدة في مجتمع له خصوصيته التي لا يستطيع فهمها الا من كان مطلعا على ثقافات وتجارب الشعوب الاخرى ولديه ثروة معرفية معاصرة كما هي الحال مع عبدالله بن الحسين.

 هذا التطور الأردني الجديد ليس بعيدا عن نهج اصلاحي اتبعته الانظمة العربية المستقرة, ولم تخضع لموجة الحماسة غير المسؤولة التي حاول الانتهازيون ركوبها لاهداف باتت معلومة للجميع, واثبتت, ايضا, ان هذه الانظمة قادرة على التطور بهدوء ومن دون تسرع وبشكل صحي وطبيعي اكثر بكثير من الانظمة القلقة, والمملكة العربية السعودية المثال الاكثر وضوحا في هذا الشأن.

فسلسلة الاصلاحات التي بدأها خادم الحرمين منذ العام 2005 في شتى المجالات ظهرت ثمراتها عبر سلسلة من المشاريع الاقتصادية والتعليمية والسياسية العملاقة و اصبحت علامة فارقة في تاريخ التطور السعودي, كما جاءت سلسلة الاوامر الملكية في الاشهر الاخيرة لتؤسس لمرحلة بناء جديدة اكثر تطورا تلبي طموحات الملك عبدالله بن عبدالعزيز من اجل مملكة مزدهرة ومواكبة لحركة العصر.

لذلك كله, مهما حاول العابثون التعكير على الانظمة العربية المستقرة فمحاولاتهم ستبوء بالفشل لانهم غير قادرين على فهم الخطاب الوطني المشترك الذي بني بين الشعب والحكم طوال العقود الماضية, وما شهدته المغرب في الفترة الاخيرة مثال حي على ذلك, اذ ان الملك محمد السادس سمع همسات شعبه قبل ان تدركها آذان القوى السياسية المغربية التي اطنبت طوال عقود بالحديث عن الحريات, وعمل على وضع الاصلاحات التي تكمل العمارة الديمقراطية الراسخة منذ عقود والقادرة على تذليل كل العقبات التي يمكن ان تعوق حركة التطور المغربية.

هذه النماذج من حركة الاصلاح الهادئ البعيدة عن الابتزاز السياسي التي سارت بها الانظمة العربية المستقرة تختلف تماما عما كان متوقعا للانظمة القلقة الاتية الى السلطة اما على ظهر دبابة, او المبنية كراسي حكمها من جماجم الشعب ووقودها حمامات الدم, او تلك المسروقة بليل الانقلابات تحت شعار "الثورة" المزيف, ولذلك إذا كان متوقعا ومنذ زمن طويل, ان تشهد بعض الدول العربية انتفاضات وثورات مثل تونس وليبيا وسورية ومصر, وان تدخل فصل الربيع معمدة بالدم والحرب والفوضى, فإن تلك التوقعات لم تكن قائمة بالنسبة الى الانظمة المستقرة التي نهضت على اسس ديمقراطية تتناسب مع المرحلة التي ولدت فيها قبل قرون او عقود بسبب تربتها الصالحة لإنبات زهر الربيع وتوافر الامكانات السياسية, قبل الاقتصادية والعسكرية لها, للتمتع بربيع سياسي دائم يتجدد بين الفترة والاخرى لانه يخضع لشروط الحياة الصحية التي تجدد نفسها دائما, كما انها قادرة على الاستفادة من تجاربها وتجارب الاخرين واصلاح الاخطاء في الممارسة لانها تسير على الدرب الصواب في بناء الدول وتجديدها.

لاشك أن ملك الأردن عبدالله بن الحسين كان بمستوى الاحداث والعصر وأثلج صدور أبناء شعبه في خطابه الأخير الذي حمل بشائر ربيع أردني جديد ينسجم مع تطلعات الغالبية من الأردنيين الذين يلتفون حول نظامهم ومقتنعون بقدرته على تطوير نفسه من الداخل, وهو ربيع لابد أن يقطف الشعب ثماره في المستقبل القريب فيما سيجد من حاولوا العبث بالجبهة الداخلية انفسهم أنهم اصبحوا من الماضي, وباتوا خريفا فيما ربيع الأردن مستمر واكثر ازدهارا.

أحمد الجارالله