حرصت القيادة الفلسطينية منذ إعلانها عن التحرك في اتجاه اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة مستقلة في حدود ١٩٦٧، على التأكيد بأن هذا التحرك لا يعني فك ارتباط مع عملية السلام، ولن يكون نهاية لمفاوضات السلام، وإنما هو خطوة هدفها استئناف العملية، والمفاوضات، من موقع قدرة على تفعيلهما، من خلال التأثير الدولي على اسرائيل وإظهار دعم الأسرة الدولية للسلام العادل، والحقوق الوطنية الثابتة والمشروعة لشعبنا الفلسطيني.

في المقابل فإن اسرائيل تبذل قصارى جهودها، ومعها القوى المؤيدة لها، لتصوير تحرك أيلول على أنه فزاعة مخيفة ستودي حتما- وفقا للرواية الاسرائيلية المغرضة- إلى إنهاء عملية السلام والمفاوضات، ومنح اسرائيل ضوءا أخضر للقيام بما تخطط له من ردود الفعل على هذه الخطوة التي لا يقصد الفلسطينيون منها سوى تحريك عملية السلام العادل بشكل فعال وسريع.

ومن الواضح أن ما يقارب العقدين من مفاوضات السلام لم تؤد إلى أي مكان، وأنها انتهت بسبب الموقف الاسرائيلي المتشدد إلى حالة من الجمود لا مخرج منها إلا إذا غيرت الحكومة الاسرائيلية النهج الاستيطاني الذي استمر منذ الاحتلال الاسرائيلي- وتحديدا عندما أقيمت أول مستوطنة يهودية في الأراضي الفلسطينية، خلافا للقانون الدولي، وكعقبة في طريق السلام والاستقرار في المنطقة.

ومع مرور السنين، التي طالت لتتجاوز الأربعة والأربعين عاما، ارتفع السد الاستيطاني أمام عملية السلام مع بناء العشرات من المستوطنات، ووصول تعداد المستوطنين فيها إلى ما يزيد عن نصف مليون. والمفارقة أن بعض القوى الدولية تطالب بأخذ هذه "الظاهرة الديموغرافية"، على حد وصفها، بعين الاعتبار في أي تسوية نهائية للقضية الفلسطينية، علما بأن هذه القوى نفسها تعتبر الاستيطان غير شرعي وعقبة في طريق السلام. وهذا موقف يتناقض مع نفسه، ويوحي بالانحياز السافر للسياسة التوسعية الاستيطانية التي تتبناها اسرائيل.

وما يريده الفلسطينيون هو مفاوضات حقيقية، لها جدول زمني ومرجعية محددة تعترف بها اسرائيل، وليس مفاوضات لمجرد التفاوض العقيم دون طائل. وهذه هي المفاوضات في صورتها التي نفذتها اسرائيل، ولم تحدد مواقفها حتى الآن من القضايا المحورية فيها- مثل القدس والمستوطنات والحدود وقضية اللاجئين- على الرغم من مرور عقدين على بدء المفاوضات.

والسؤال هو :كيف تريد اسرائيل ومن يؤيدها أن ينتهي الاحتلال والاستيطان؟ وهل يريدون فعلا أن ينتهي الاحتلال والاستيطان سلميا؟ إن مسار التفاوض والتصريحات الاسرائيلية تشير إلى عكس ذلك تماما، لأن إنهاء الاحتلال يتناقض بشكل كامل مع الاستمرار في البناء الاستيطاني على أرض محتلة. وهذا هو المفهوم الأبسط لمعنى السلام، كما يعرفه كل من يمتلك الفطرة الصحيحة والمنطق السليم.

والفلسطينيون، بذهابهم للأمم المتحدة، يحاولون فتح باب جديد للسلام والمفاوضات الجادة، وليس إغلاق باب السلام كما تقول اسرائيل ومؤيدوها. والكلمة السحرية التي كانوا يتوقون لسماعها من أجل استئناف المفاوضات السلمية هي إعلان اسرائيلي بوقف الاستيطان، لأن مثل هذا الإعلان سيكون تعبيرا عن تغيير جذري في السياسة الاستعمارية الاسرائيلية، لكن هذا التغيير لم يحدث بعد، وليس هناك أي مؤشر على أنه سيحدث في وقت قريب.

ومن هنا، فإن أيلول مرحلة أو محطة أخرى في التحركات الفلسطينية من أجل السلام العادل، وهذا ما تدركه الأسرة الدولية- باستثناء اسرائيل والقوى المناصرة لها، التي من الواضح أنها تعرف جيدا طريق السلام، لكنها غير راغبة، أو غير قادرة، على السير بجدية في ذلك الطريق.