يبدو أن قادة الاحتلال الإسرائيلي أصبحوا يدركون أن الدائرة بدأت تضيق عليهم ومن حولهم بإصرار الفلسطينيين على التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالعضوية الكاملة للدولة الفلسطينية، وبات هؤلاء القادة المحتلون يشعرون بالحرج الكبير، وفي الوقت نفسه تنتابهم هواجس من أن يزداد قطار الاعتراف الدولي طولًا، ما يحقق النصاب المطلوب لنيل الاعتراف، ولذلك فهم (أي الإسرائيليون) يبذلون كل جهدهم لإثناء الجانب الفلسطيني عن عزمه، والعمل على إفشال جهود القيادة الفلسطينية في حشد الأصوات المؤيدة، وتسديد ضربة قاصمة لحماس الفلسطينيين وإصرارهم، حتى لا يحاولون مجددًا الإقدام على مثل هذه الخطوة.

ومن بين هذه الجهود التي يقودها قادة الاحتلال، تنظيم حملات دبلوماسية إلى دول العالم من أجل الضغط عليها لتقف في صف المعارضين للاعتراف بالدولة الفلسطينية، والمعرقلين لسير الشعب الفلسطيني. ومن بين هذه الجهود أيضًا استضافة أعضاء من الكونجرس الأميركي، حيث زار الكيان الإسرائيلي أمس ستة وعشرون عضوًا من الحزب الديمقراطي في الكونجرس، وطبعًا مثل هذه الحملات واللقاءات تشكل فرصة كبيرة ليُسوِّق قادة الاحتلال الإسرائيلي ذرائعهم المفضوحة وترهاتهم المقبوحة، حيث تشدق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدى استقباله هؤلاء الأعضاء بالتزامه بالسلام، زاعمًا أنه السبيل الوحيد لتحقيق السلام مع الفلسطينيين من خلال المفاوضات المباشرة، وأنه على استعداد للبدء فورًا في مفاوضات دون شروط مسبقة.

 ولكنه ناقض نفسه ووقع في حفرة من حفره التي لا حصر لها حين حذر من أنه "إذا كانت الأمم المتحدة ستعترف بالخطوة الأحادية للفلسطينيين بإعلان دولتهم فسوف يضر ذلك بفرص تحقيق السلام". ذلك أن الالتزام لفظة لها دلالاتها ومضامينها التي تستوجب تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. وقد عمل قادة الاحتلال منذ توقيع اتفاقات أوسلو وإلى الآن على التملص والمراوغة وابتداع الأكاذيب، بل وشن عدوان من أجل خلط الأورق، وذلك حين تحين لحظة استحقاق.

 كما أنهم أكدوا غير مرة أن الفلسطينيين منذ ما يزيد على ثماني عشرة سنة يفاوضون ويفاوضون ولم يحصلوا على شيء، فلماذا يصر الإسرائيليون الآن على العودة إلى المفاوضات المباشرة دون شروط مسبقة؟ إذا كانت كل تلك الفترة ـ التي يعاير بها المحتل الإسرائيلي اليوم الشعب الفلسطيني ـ لم يتحقق أثناءها شيء، فلم يصرون الآن على المفاوضات؟ أليس بهدف عرقلة الفلسطينيين عن توجههم إلى الأمم المتحدة؟

إن هذا الاستنتاج هو ما يجب أن يعيه أعضاء الكونجرس الأميركي وإدارة الرئيس باراك أوباما، فبدل أن يربتوا على أكتاف المحتلين الإسرائيليين، ويقدموا لهم كل عون ومساندة، ويمارسوا كافة ضغوطاتهم السياسية والاقتصادية لإثناء الفلسطينيين عن موقفهم العادل، عليهم أن يقفوا على المناورات الإسرائيلية المكشوفة والمفضوحة ويوجهوا أصابع الاتهام إلى حليفهم المدلل.

إن إدارة أوباما والكونجرس الأميركي عليهما التخلي عن ازدواجية القرارات والكيل بمكيالين والابتعاد عن النفاق في تعاملهم مع قضايا الدول والشعوب، فإدارة أوباما تطالب الدول المانحة بأن تزيد وبنسبة كبيرة مساعداتها لمنطقة القرن الإفريقي التي تواجه الجفاف والمجاعة، بهدف سد حاجات الجياع، بينما تتناسى وتتنكر بأن ثمة شعبًا لا يزال يرزح تحت الاحتلال، يتعرض أيضًا للمجاعة والقتل والتهجير القسري.

 ويقيم الأميركيون الدنيا ولا يقعدونها ويملأونها ضجيجا تباكيا على حقوق الإنسان العربي في الحرية والديمقراطية ويتجاهلوا أن الشعب الفلسطيني هو أيضا شعب عربي مسلوب ليس فقط الحرية والديموقراطية وإنما أول أبجديات هذه الحقوق وهو حق أن يكون له وطن يعبر عن انسانيته، فالعجب كل العجب من ضمير الأميركيين، حين يصحو ويستيقظ حين يتعلق الأمر بشعب غير الشعب الفلسطيني، ويموت ويتبلد ويفقد كل الجوانب الإنسانية ويتنكر لحقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني. أليست شعوب العالم واحدة؟ أم أن الشعوب في عرف مدعي حماية حقوق الإنسان أشتات وفرق؟