القدس قبلة المسلمين الأولى وشاهد على تاريخ حضاري عريق، وهي المدينة المقدسة التي شهدت حادثة الإسراء والمعراج إلى السماء، وتظل محورا ارتكازيا في القضية الفلسطينية، التي ليست هي قضية شعب بعينه بقدر ما هي قضية أمة تتمسك بقيمها وإيمانها وتاريخها، فالمكان ليس مجرد أرض ولا معالم ولا مباني وإنما هو قيمة روحية مكتسبة من ارتباط وجداني وقيم عليا يتسلح بها المرء.
وهاهي إسرائيل تحاول بكل ما أوتيت أن تجعل من القدس وتاريخها مرتبطا بسياقها التاريخي لتنزعه عن الأهلية المسلمة والعربية، وهي تفعل ذلك بكل ما تستطيع من وسائل التلفيق والتزييف للتاريخ، بما في ذلك تبديل علم واضح للعيان كالآثار، بما تقوم به من حفريات مكثفة بالمدينة في محاولة لحشد الأدلة على أن هذا المكان جزء منهم وليس للعرب شأن به.
لكن أن يأتي عالم آثار إسرائيلي ورجل من المجتمع النخبوي المثقف في إسرائيل ليقول إفادته بعكس ما يحاول الساسة قوله ويحشدون له الحشود من العلماء المزيفين، فإن ذلك ليفضح الكثير من المقتضيات والشهادات المضللة التي تضخها آلة الإعلام الإسرائيلية عبر أبواق السياسة ورغباتها الدائمة في تمديد الاستيطان الإسرائيلي وعرقلة مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة وجعل المنطقة تعيش في توتر بتغييب عوامل الاستقرار.
وقد كشف عالم الآثار الإسرائيلي فلنكشتاين من جامعة تل أبيب بوضوح لا يحتمل التأويل من خلال تقرير نشرته مجلة «جيروزاليم ريبورت» الإسرائيلية أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم ما يسعون إليه لإثبات أن القدس أرض يهودية.
ويرى العالم نفسه من خلال سياقات تاريخية معقدة يستعرضها أن "قدس داوود" إذا كانت موجودة فعليا فهي لا تعدو كونها قرية فقيرة بائسة، بمعنى أنها ليست القدس الحاضرة التي تحاول سياسة نتانياهو الزج بها في صميم دولته.
ويشفع لقول ذلك العالم ما أوضحه العالم الإسرائيلي رافاييل جرينبرج، الذي يعمل محاضرا بجامعة تل أبيب، الذي قال: من المفترض ان تجد إسرائيل شيئا حال واصلت الحفر لمدة ستة أسابيع غير أن الإسرائيليين في مدينة داود بحي سلوان بالقدس يقومون بالحفر من دون توقف منذ عامين ولم يعثروا على شيء.
ثم ماذا بعد هذه الإفادة الجلية من هذا العالم.. حفر مستمر لعامين ولا نتيجة مطلقا.. ولكن المشروع لم يتوقف ولن يتوقف، وستحاول السياسة الإسرائيلية وبأي شكل كان ان تصنع للقدس تاريخا جديدا من خلال ما ستضلل به العالم كعهدها في سياسة التضليل والمضي فيه وعلى العالم أن يصدق.
يشار إلى أن خبراء إسرائيليين يؤكدون أن الهدف الرئيس من وراء أنشطة الحفريات هو دفع الفلسطينيين للخروج من المدينة المقدسة وتوسيع المستوطنات اليهودية فيها، أي إقحام الفلسطنيين في الواقع الذي عليهم أن يتعاملوا مه سواء أثبت التاريخ العكس أم لا.
سواء كانت الآثار شاهدا على أن القدس على ما يريدون أم لا. وأيضا يؤكد رافاييل جرينبرج أن ما تقوم به إسرائيل من استخدام لعلم الآثار بشكل مخل يهدف إلى طرد الفلسطينيين الذين يعيشون في سلوان وتحويله إلى مكان يهودي.