تؤكد وقائع الربيع العربي، ان لا بديل عن الحوار مع الشعوب، وأي التفاف على هذا الخيار، هو التفاف على حق الشعوب، والتفاف على المعارضة، ووأد للديمقراطية، و»الرأي الآخر» وتجذير نهج القمع الديكتاتوري.

وفي هذا الصدد، فان نظرة شاملة للمشهد العربي المحتقن، تؤكد فشل الحلول الامنية والعسكرية.. رغم تجربة هذا النهج الدموي لمدة تزيد عن خمسة اشهر سقط خلالها آلاف الشهداء في اليمن وسوريا وليبيا...الخ.

وفي تقديرنا لو لجأت هذه الانظمة للحوار، وآمنت به كسبيل وحيد لتحقيق الاصلاح والتحديث، وتطوير الديمقراطية والتعددية، وصولاً الى تبادل السلطة سلمياً، وانتهاء بالحكم الرشيد، لما وصلت الثورات في هذه الأقطار، الى مرحلة الاستعصاء التي تؤشر الى خطورة انهيار بعض هذه الدول وخطورة فتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي، وهذا ما حدث ويحدث في ليبيا الشقيقة، وبصورة أوضح، وتغني عن أي شرح وتفصيل.

ان لجوء نظام القذافي الى المرتزقة، والقوة العسكرية الباغية، لاجهاض ثورة الشعب الليبي، بعد أن رفض الحوار مع الثوار، هو ما أجبر المجلس الانتقالي الى الاستعانة بحلف «الناتو» لحماية الشعب الليبي من المذابح اليومية التي لجأت اليها مرتزقة القذافي، فقصفت المدن والمستشفيات، لارهاب الشعب، ودفعه الى مغادرة صفوف الثوار، وهو ما ثبت فشله بعد أن اختار شعب عمر المختار طريق الحرية والكرامة بلا رجعة.

وفي هذا المجال، لا بد من الاشارة الى التجربة الاردنية الرشيدة، وانحياز جلالة الملك عبدالله الثاني الى خيارات الشعب، والى نهج الحوار والاصلاح كسبيل وحيد للخروج من حالة الانتظار والمراوحة الى ضفاف البناء والابداع ومراكمة الانجاز، فكانت توجيهات جلالته الى الحكومة والى المعنيين بضرورة الحفاظ على خيارات المواطنين، والسماح لهم بالتظاهر سلمياً والتعبير عن آرائهم بكل حرية وشفافية، ما جعل هذه التجربة مثار احترام الجميع، في منطقة تشهد احتكام الانظمة للسلاح والقوة الباغية لكسر ارادة شعوبهم.

مجمل القول: لا بديل أمام الأنظمة، اذا أرادت الخروج من حالات الاستعصاء، وتحقيق الاصلاح والتحديث، والتطوير والتقدم الا باعتماد الحوار كسبيل وحيد للوصول الى قناعات مشتركة، ووفاق وطني يمهد السبيل الى مرحلة جديدة، قوامها الانحياز المطلق للديمقراطية الحقيقية، والتعددية الفاعلة وصولاً الى تبادل السلطة تكريساً للحكم الرشيد.

«فأما الزبد فيذهب جفاء.. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

صدق الله العظيم