يوم بعد يوم تتسع الهوة بين المواقف الشعبية والمواقف الرسمية من القضية الفلسطينية, وكلما تراجع السياسيون في العالم عن الالتزام بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني نجد أن شعوبهم تتقدم بعزم وثبات لتملأ الفراغ وتبدى جرأة متنامية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، سواء عبر سفن الحرية لكسر الحصار عن غزة أو عبر المسيرات المتوالية التي صارت طقسا أسبوعيا في مدن الضفة وبلداتها مثل بلعين والمعصرة والنبي صالح.

فبلأمس على سبيل المثال شارك في المسيرة التي دعت لها اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار العنصري والاستيطان عشرات من المتظاهرين  بعضهم يأتي إلى الأراضي المحتلة بـ(الدراجات الهوائية) كعلامة على الإصرار لدعم الثوابت الفلسطينية ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي والمطالبة بإطلاق سراح الأسرى إضافة إلى التنديد بالجدار والاستيطان والعدوان على غزة ومن ثم الحصار الذي تلا العدوان .

هذه التحركات كلها فضلا عن كونها تكشف تقدم الوعي الشعبي على الوعي الرسمي فيما يتعلق بعدالة القضية الفلسطينية فهي أيضا تؤدي الى تآكل المادة الدعائية اليومية والأكاذيب التي تشنها إسرائيل والتي ساهم فيها قادتها للتشويش على عزم الفلسطينيين الذهاب بقضية إقامة الدولة إلى الأمم المتحدة الأمر الذي جعل المتحدث باسم رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية يصدر بيانا ينفي فيه ما زعمه بيريز من وجود مفاوضات سرية مع الفلسطينيين.

واستمرار إسرائيل في المواجهة العنيفة مع المتضامنين مع الفلسطينيين ليضاف إلى مجموعة الأدلة التى تثبت أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة والمواجهة أما دعوتها الدائمة للتفاوض مع الفلسطينيين فلا تعدو كونها مضيعة للوقت وعندما هاجمت القوات الإسرائيلية السفينة التركية مافي مرمره وما تلاها من سفن تعرت مزاعم إسرائيل بأنها في موقع الدفاع عن النفس، فكيف يكون الهجوم على متضامنين مسالمين دفاعا عن النفس؟

إن مزاعم الدفاع عن النفس هذه أسقطتها عملية الهجوم على السفينة التركية، مما يضطر قادة إسرائيل الآن إلى التفكير في تقديم اعتذار إلى تركيا ودفع تعويضات لضحايا عدوانها عن السفينة لأن الإسرائيليين يعلمون مدى أهمية تركيا في لعبة التوازن الإقليمي، ومن ثم فقد صرح وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك أمس أنه يتعين على إسرائيل تقديم الاعتذار المطلوب .

وهكذا يتضح أن عزيمة القوى الشعبية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني لا تقل في تأثيرها على مسرح الأحداث عن جهود الدول والمؤسسات الدولية فحينما يقطع المتضامنون الأوروبيون سبعة آلاف كيلومتر من بريطانيا إلى الأراضي الفلسطينية ممتطين دراجاتهم الهوائية لدعم الشعب الفلسطيني أنما يعني ذلك إصرارا غير مسبوق على توسيع دائرة المواجهة مع الغطرسة الإسرائيلية وإرسال رسالة تقريع إلى الساسة الذين ما زالوا يتحسسون مواقع أقدامهم وينتقون كلماتهم كلما حاولوا تناول الصراع العربي الإسرائيلي في أي عملية وساطة مسرحية.

ويضاف إلى الزخم الشعبي العالمي زخم شعبي أقرب هو توافق الانتفاضات العربية الشعبية في كل الدول التي تشهد مسيرات التغيير هذه الأيام على أن القضية الفلسطينية تحتاج إلى مواجهة أكثر حزما مع إسرائيل وبالقطع لن تفلح إسرائيل وأبواقها الدعائية في العالم أن تطمس هذه التطوارت المهمة في الصراع .