إن دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للشعب الفلسطيني إلى المقاومة الشعبية والمشاركة الواسعة فيها، وذلك في كلمته أمام اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لمناقشة المساعي للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، تمثل موقفًا شجاعًا، وعزمًا أكيدًا على السير قدمًا على طريق النضال الذي قاده الشعب الفلسطيني بمختلف قياداته وفصائله المناضلة.
إن من حق الشعب الفلسطيني وقيادته أن يختار الوسائل الملائمة لاستعادة حقه الشرعي الذي تكفله الشرائع السماوية والقوانين الدولية، باعتبار أن المقاومة بشتى وسائلها، سواء كانت سياسية أو سلمية أو مسلحة، حق مشروع في ظل الاحتلال، لا سيما وأن الفلسطينيين ومعهم أشقاؤهم العرب لم يدخروا جهدًا، ولم يمتنعوا يومًا، ولم يتخلوا لحظة عن سياسة اليد الممدودة للطرف الآخر، وكافة قوى المجتمع الدولي وشعوب العالم الحر قاطبة المحبة للسلام، غير أن للأسف الشديد كلما قدم الفلسطينيون وأشقاؤهم العرب تنازلًا مؤلمًا أو مدوا يدهم بأغصان الزيتون قابلها الطرف المحتل تنكرًا وتنمرًا.
ويفسره على أنه ضعف، فيماطل ويسوِّف ويراوغ ويكذب ويهدم كل بنيان للثقة أقيم تمهيدًا للدخول في مفاوضات سلام نهائية تقيم موازين الحق والعدل والإنصاف. وما يزيد أمر المحتل الإسرائيلي تشددًا وتعنتًا سياسة النفاق والمداهنة والانحياز الأعمى للجانب الإسرائيلي المحتل.
والتي يتبعها الغرب عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا، في رعايته للصراع العربي ـ الإسرائيلي، إلى أن وصل الأمر به أن لا يتورع عن إعلان تأييده المطلق وتبنيه للمزاعم والترهات الإسرائيلية في مسار السلام، لدرجة التهديد بقطع المعونات المالية ومنع الطعام والشراب عن الوصول إلى الشعب الفلسطيني، والمساهمة بطريقة أخرى في تشديد الحصار الإسرائيلي الظالم وخنق ما يزيد على ثلاثة ملايين فلسطيني وقتلهم جوعًا، أي إذا كان الاحتلال الإسرائيلي يقتل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بحصاره.
فإن القوى الغربية التي تتبجح بالحرية والديمقراطية وتنصِّب نفسها مدافعة عن حقوق الإنسان تحكم هذا الحصار في الضفة الغربية وتساهم في قتل الأبرياء في الضفة، لا لجرم ارتكبه الفلسطينيون، سوى أنهم تواقون إلى الحرية واسترجاع حقوقهم عبر الوسائل الشرعية وعبر المؤسسة الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) التي تتحمل الوزر الأخلاقي باقتطاع الحق الفلسطيني وتمليكه للمحتل الإسرائيلي، والتي يجب أن تتبنى أيضًا الجانب الأخلاقي والإنساني لإنصاف الشعب الفلسطيني وإعطائه حقه، بل هي ملزمة بذلك كما أعطت المحتل الإسرائيلي حقًّا مغتصبًا وأكسبته صفة الشرعية.
الرئيس الفلسطيني لم يدعُ إلى حرب ولا إلى مقاومة مسلحة، وإنما دعا إلى مقاومة شعبية سلمية، لإرسال رسائل مباشرة إلى العالم الحر وتذكيره بأنه لا يزال هناك شعب وهو آخر شعب يعاني من الاحتلال، مسلوب الحرية، ومهدد بالفناء وبزوال دولته وأرضه، ولعل مقاومته الشعبية تستطيع أن توقظ الضمائر الميتة والمتبلدة.
العالم الحر مطالب بأن يخلع نظارته السوداء ليرى المظالم الإسرائيلية التي تمثل أسبابًا تدفع الفلسطينيين لمقاومة واسعة النطاق، وليس أدل على هذه المظالم من توسيع المستوطنات اليهودية وبناء الجدار العنصري وتهويد القدس، ورفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية أساسًا.
إذا كان الشعب الفلسطيني حسم أمره بالتوجه إلى الأمم المتحدة ليتخلص من موقع (النكرة) في هذا العالم الذي يدعي الحرية إلى حال (المعرفة)، وأعد عدته لمواجهة محاولات الإطاحة بمساعيه، فإن على أشقائه العرب أن يحسموا هم خيارهم ويدعموا هذا التوجه، ويكونوا سندًا لذلك، وينتقلوا في صناعة القرار بدلًا من اثنين وعشرين صوتًا وموقفًا إلى الصوت والموقف الواحد، وليكون معتمدهم إذا ما أرادوا لجم المحاولات الإسرائيلية لنزع الشرعية عن الشعب الفلسطيني وإلغائه.