لا يملك المراقب للمشهد العربي المتغير من المحيط الى المحيط، إلا أن يقف متسائلاً عن سر غياب الموقف الموحد، المؤيد والداعم للربيع العربي، والتزام البعض الصمت والحياد.. وكأن الأمر لا يعنيهم، في الوقت الذي استنفرت القوى المعادية كافة امكاناتها لافشال هذا الربيع، وتحويله الى خريف.

وبشيء من التفصيل.. فان المظاهرات والمسيرات السلمية التي عمت العديد من الدول الشقيقة, مطالبة بالتغيير والاصلاح، والديمقراطية والتعددية، ومحاربة الفساد والمفسدين..الخ، وصولاً الى الدولة المدنية الحديثة، هي مظاهرات مشروعة كفلتها الدساتير الوضعية، ومواثيق حقوق الانسان التي أكدت حق الشعوب في التعبير عن آرائها وقناعاتها وحقها في المطالبة بالاصلاح وتداول السلطة سلمياً وصولاً الى الحكم الرشيد.

ومن هنا، فان قيام بعض الأنظمة بالتصدي لهذه المظاهرات بالقوة المسلحة في محاولة لاجهاض أي تغيير هو تصرف غير سليم، وقد ثبت فشله، لأن الاحتكام الى القوة يعني ببساطة رفض الحوار، ورفض الاحتكام الى صوت الشارع، والاصرار على الاستمرار في النهج الحالي، والذي أدى ويؤدي الى تفاقم المشكلات، وزيادة الاحتقان، وقد فشلت غالبية هذه الانظمة في تحقيق الديمقراطية الحقيقية والتعددية، ونهج تداول السلطة.. وفشلت في تحقيق التنمية المستدامة والرفاه لشعوبها، وفشلت في اجتثاث الفساد والمفسدين، ما أدى الى تفاقم المديونية، وارتفاع حجم الجريمة.. وتدني مستويات التعليم، وحولت الشعوب الى مجرد رعايا، وليس الى مواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة، التي تحتم المشاركة في اتخاذ القرارات.. والمشاركة في بناء الأوطان.

ومن ناحية أخرى، فان الاحتكام الى القوة، شرّع كافة الأبواب للتدخل الأجنبي، بعد أن وجدت الدول المعادية ان ما يحدث يعطيها فرصة للعودة من الشباك وقد خرجت من الباب، لاعادة السيطرة على الموارد العربية، ويشكل مثال ليبيا الشقيقة تأكيدا لما ذهبنا اليه، فتدخل «الناتو» لم يكن لصالح الثورة فحسب، بل جعل هذه الدول ذات الماضي الاستعماري تعيد حساباتها من جديد، وهي ترى النفط على بعد أمتار من أطماعها.

وفي هذا السياق، فلا بد من الاشادة بالتجربة الأردنية في هذا المجال، وبتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني بضرورة حماية المظاهرات، واعطاء المواطنين الحرية الكاملة للتعبير عن آرائهم ما دامت المظاهرات سلمية، وما دام المتظاهرون حريصين على الممتلكات العامة، وحريصين على الوطن والمواطنين، ويرفضون المساس بسيادته ومنجزاته التي ضحى من أجلها الرواد الاوائل.

مجمل القول: لم يعد مجدياً، ولا معقولاً، أن تقف الدول الشقيقة موقف المراقب الصامت، من الربيع العربي.. وقد تأكد ان الشعوب التي انتفضت على الظلم والقمع والفساد والمفسدين، التزمت بسلمية المظاهرات، وأثبتت ورغم قساوة الانظمة، واحتكامها الى القوة المسلحة، أنها شعوب متحضرة واعية ترفض الانجرار الى الحرب الأهلية، وتصر على الحرية والكرامة، رافضة التدخل الخارجي الذي يعمل على اجهاض هذه الثورات.. واجهاض الربيع العربي وتحويله الى خريف.. انها معركة ارادات.. وحتماً ستنتصر ارادة الشعوب.