الجريمة الارهابية المروعة التي وقعت أمس الأول في أوسلو عاصمة النرويج أدمت ولا شك قلوب العالم كله فهذه الأرواح البريئة التي ازهقت وهذه الخسائر الجسيمة التي وقعت لم يكن يتوقعها أحد في ذلك البلد المسالم والمعتدل في سياساته المعلنة، والذي يؤمن بالتعددية والعيش المشترك ويدعم كل جهود إرساء السلام والأمن في العالم .

لكن الحدث يحتاج إلى تمعن كبير في دلالاته والدروس المستفادة من ورائه وأول ما يسترعي الالتفات ان نظما ومنظمات معروفة بعدائها للآخر واستعدادها الدائم لاتهام جنسيات أو ذوي عقائد بعينها بأنهم إرهابيون بالفطرة، اعتادوا على اطلاق التهم مع اول نبأ عن عمل إرهابي، كما حدث مع بعض الفضائيات الدولية الشهيرة في العالم التي ألمحت على الفور إلى تورط جماعات متطرفة ذات علاقة بأفغانستان وباكستان والشرق الأوسط في تلميح واضح إلى جماعات ذات هوية إسلامية ولكن الحكومة النرويجية كانت على مستوى من رباطة الجأش والشجاعة الكامنة لطرح الحقائق حول الجريمة كما هي في الواقع مؤكدة أن الأرهابي مرتكب جريمة أوسلو أمس الأول يميني مسيحي متطرف، وبذلك وضعت الحكومة النرويجية حدا لكارثة إنسانية كانت متوقعة ضد الأجانب في أوروبا كلها وليس في الدول الاسكندنافية وحدها.

ونخرج من هذه الواقعة بمجموعة من الحقائق التي تؤكد نفسها كل يوم رغم إصرار دول محتلة وعدوانية على سوق الاتهام وتوجيهه إلى عرب أو مسلمين عبر العالم كله بسبب دوافع سياسية محضة كلما حدثت كارثة مماثلة. الحقيقة الأولى هي التي طالما اكدناها واكدها معنا عديدون من اصحاب الرؤية الموضوعية في العالم وهي أن الإرهاب لا هوية له ولا يرتبط بالعرق أو اللون أو الدين أو حتى الفقر وحياة الأزقة والمساكن العشوائية المهملة والتي تعاني طيلة حياتها من العوز والإقصاء والتجاهل طويل الأمد .


الحقيقة الثانية أن الأديان جميعها تدعو الى القيم السامية واحترام حقوق الانسان وحرية الاختيار فليس معنى ان مرتكب جريمة اوسلو الارهابية مسيحي ان يكون المسيحيون كلهم مثله وكذلك المسلمون ليسوا كمثل كل من يرتكب منهم عملا إرهابيا فالارهابي لا يمثل إلا نفسه والجريمة جريمة ما دامت تحدث خارج إطار القوانين المنظمة لحركة البشر ومنظومة القيم والاخلاقيات التي تحتكم إليها البشرية في غالبيتها .

الحقيقة الثالثة أن العالم أجمع مدعو إلى الانتباه لمحاولات منظمات مشبوهة ودول اعتادت على العنف والعدوان أن تغطي على عدوانيتها بإلصاق التهم بخصومها وخاصة المقاومين الذين يعملون على تحرير أوطانهم من المحتل الأجنبي وهو أمر مشروع تنظمه قوانين الأمم المتحدة. والعالم مدعو أيضا لإفشال المخطط الدعائي المستمر لتوجيه الرأي العام العالمي إلى وجهة بعينها كلما وقع حادث إرهابي في العالم وقبل ان تتضح الوقائع وتنشر تفاصيل التحقيقات.

 ولأننا نحن العرب والمسلمين وبخاصة الفلسطينيين قد عانينا الكثير من هذا المخطط الذي يتم تفعيله إعلاميا باستمرار، لذلك فإننا ندعو العالم وفي مقدمته الأمم المتحدة ووكالاتها وهيئاتها العاملة الى مواجهة جماعية مع مصادر الإعلام الدولي التي تشير في عجالة إلى متهم بعينه كلما وقع حادث إرهابي. إنها بداية الطريق لمعالجة الإرهاب الدولي الذي يعاني الأبرياء من شروره .

ولا نبالغ إذا قلنا إن هناك مسؤولية دولية جماعية تجاه أي حادث إرهابي يقع في العالم طالما أن هناك محاولات مستمرة للتمويه على وقائع أو أدلة أو إخفاء معلومات تفيد التحقيق العادل والموضوعي والنزيه في أية قضية تتعلق بالإرهاب الدولي أينما وجد.

إنها وصفة علاج حتمية وإن كانت طويلة الأمد ومحفوفة بالمتاعب لكن النتائج لا شك ستصب في مصلحة الأبرياء الذين يلطخهم الاتهام في قضايا إرهابية كان يجب ان يتم التحقيق فيها بشفافية ونزاهة وشجاعة على المستوى الذي نهجته حكومة النرويج رغم عمق المأساة وثقل المسئولية السياسية.