في مسيرة الشعوب والأمم لحظات مفصلية يتخذ فيها التاريخ مساراته الصحيحة نحو المستقبل ساعة تتوفر الإرادة والعزيمة والرؤية الصادقة، وقد كان اليوم الذي تولى فيه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - مقاليد الحكم في البلاد في مثل هذا اليوم قبل إحدى وأربعين سنة، يوما فارقا وعلامة في تاريخ عمان الحديثة. تلك اللحظات التي مثلت الانطلاقة نحو الأمل والطموحات بالإيمان القوي الذي ساقه جلالة السلطان بهدف بناء عمان العصرية.
كان الطريق طويلا، وكانت الغايات المنشودة كبيرة، لكن بفضل الله تعالى وبحكمة القائد المفدى، وإخلاص أبناء عمان تذللت الصعاب وهانت المصاعب وفي ظروف سنوات وجيزة استطاعت بلادنا الحبيبة أن تتجاوز الأمس إلى اليوم المشرق، لتصبح من الدول التي يشار لها بالبنان وهي تحقق الإنجازات الملموسة على صعيد التنمية الإنسانية والمستدامة.
وإذا كان التأكيد دائما أن الإنسان هو محور النهضة العمانية المباركة، فذلك لإيمان العاهل المفدى - أبقاه الله - بأن أي بذرة للمستقبل الأفضل لا يمكن أن تتم دون تأهيل الإنسان واكتسابه المعارف وتمكنه من المعارف العصرية وفي الوقت نفسه محافظته على إرثه وقيمه السمحة، وهو المنوال الذي سارت عليه خطى النهضة المباركة منذ يومها الأول وإلى اليوم عبر سياسة جلية ومتوازنة وأصيلة تستحضر روح العصر، بما جعل مسيرة نهضتنا المباركة تقوم على مفاهيم وقيم ثابتة وراسخة تأتت عن تلك الحكمة التي تمتع بها صاحب الجلالة السلطان المعظم وإرادته في أن يرى القادم أكثر بهاء وإشراقا.. وهذا ما كان.
وإذا كان التطوير سنة الحياة فقد عبرت النهضة العمانية بمراحل من البناء والنمو، وفي كل مرحلة كان التركيز يتم على أولويات معينة، وفق لما تقتضيه الظروف الراهنة وحسب الإمكانيات المتاحة، وكان العمل يتم بحسبان أن المرحلة القادمة بعد كل مرحلة تنقضي لابد أن تشهد المزيد من الاستثمار على صعيد الإنسان والنواحي الاقتصادية والمادية.
والآن بعد أربعة عقود يمكننا أن نفخر بالمنجزات الشاخصة للعيان في أرضنا الطيبة وما تم إنجازه، لكن هذا السعادة بالمنجز تحملنا المزيد من المسؤولية اتجاه الأجيال القادمة، وهي النقطة التي يركز عليها جلالة السلطان - حفظه الله ورعاه - بأن نضع نصب أعيننا تحديات المستقبل ومتطلباته، بوعي وإيمان عميقين أن ما تحقق على أرض عمان هو ملك لكل الأجيال، وعلى الكل المساهمة فيه تطويرا وابتكارا وإضافة. وهذا يتطلب من الحكومة وكافة المواطنين ترسيخ المساهمة الفاعلة في بناء هذا الوطن عبر اكتساب المزيد من المعارف والعلوم والتقاطع مع متطلبات العصر في أساليب وثقافة العمل الحديثة.
إن العمل يظل هو الطريق الذي يقود إلى الآفاق الأفضل وهو الضمان الذي يجعل النهضة المباركة تكتسي بمساحات أكبر من الإضافات التي يعم خيرها على الجميع في الراهن والغد بإذن الله، وبالتالي فإن التركيز على تعميق مفاهيم وثقافة العمل، تظل هي متطلبات مهمة في المرحلة الراهنة، بالتعجيل في إعادة التفكير في منظومات التعليم حسب التوجيهات السامية لجلالته، كذلك مطلوب تعميق مفاهيم المشاركة الشعبية في صنع القرار وذلك بالمسؤولية والالتزام لاسيما إننا مقبلون على انتخابات مجلس الشورى التي تأتي هذه المرة في مناخات مختلفة عن الدورات السابقة.
إن الأفكار التي يمكن الحديث عنها والمشاعر لتتعدد ساعة يكون الحديث عن رحلة قطعت بالصبر والعمل والتضحيات، من قبل القائد والشعب، كذلك تتشعب الأفكار بخصوص المتطلبات وضمانات المستقبل الأفضل، وهو أمر يظل يحمل كل فرد منا جانبا من المسؤولية فيه، وهو المعنى الجوهري لفكر الشورى والمشاركة بأن يعزز كل مواطن من الموقع الذي يقوم عليه، وبهذا تكون النتائج الأكثر إيجابية.
وأخيرا نبارك لجلالة السلطان المفدى هذا اليوم المبارك، ونبارك للمواطنين الكرام وهم يعيشون الفرح بما تحقق، ونسأل الله أن يعيد هذه المناسبة على جلالة السلطان باليمن والخير والبركات وأن تدوم نعمة الاستقرار والأمان. وكل عام وأنتم بخير.