بعد أقل من 24 ساعة من إعلان إسرائيل المضي في البناء الاستيطاني ببناء 336 وحدة سكنية في مستوطنات إسرائيلية مقامة على أراضي الضفة الغربية، يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على شاشة تلفزيونية متحدثا بالإنجليزية أنه مستعد للتفاوض، ليس في واشنطن ولا أي مدينة أمريكية أو غربية وإنما في القدس أو رام الله، وكأنما المشكلة هي المكان، وهو ما التفت إليه الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية الذي أكد أن المشكلة ليست في موقع المفاوضات وإنما في المرجعية، التي تظل النقطة الخلافية والجوهرية في مجمل الأمر.
فالمسألة الواضحة والتي يجب على الإدارة الإسرائيلية الاعتراف والاقرار بها أن التوصل إلى أي اتفاق ثنائي عبر محادثات سلام جادة بين الطرفين لا يمكن أن يتم، إذا ما أصرت إسرائيل على تمييع المرجعيات ومارست الأسلوب الدائري نفسه الذي ظلت تسير عليه منذ عقود، بحيث كلما فشلت مفاوضات وجاءت أخرى، كان الحلزون يصبح أكثر دائرية والتواء.
ولهذا فإن التأكيد الرئيسي في مجمل الأمر هو قبول مرجعية عملية السلام وفق حل الدولتين المطروح على الحدود التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 بالإضافة إلى شرط الرئيس الفلسطيني أبومازن الذي لا رجعة عنه والمتمثل في وقف الاستيطان بشكل جاد، وليس بمماحكات وألاعيب وأشكال التجميد الوقتية.
لكن إسرائيل ماضية في الاستيطان في الوقت نفسه الذي يأتي فيه نتانياهو ليتحدث عن الاستعداد، وهو أمر ينافي القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، وهذا ما تعلمه تل أبيب جيدا، وتعرف كيف توظفه لصالحها وضغوطها متعددة الأطراف في إطار سياسة توسيع الوقت ومدّه لأطول فترة ممكنة بما يضيع فرصة السلام الحقيقي والمعنى الأوضح وراء ذلك إعاقة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
لكن إعلان نتانياهو أمس يشير إلى أمر آخر وهو أن الرجل بدأ يشعر بأن مسألة الذهاب إلى الأمم المتحدة لانتزاع الاعتراف الأممي، ورغم العقبات التي تعترضها والفيتو الذي يلوح بشكل واضح، رغم ذلك يشعر نتانياهو أن قواعد اللعبة عند أوباما قد تتغير في اللحظات الأخيرة خاصة أن دائرة المؤيدين للدولة المستقلة بدأت تتسع وتأخذ مجالا واسعا ضم أكثر من 110 دول حتى الآن.
وبهذا فإن نتانياهو يريد أن يلعب على الحبلين بحيث يكسب في كل الأحوال، وهي السياسة الإسرائيلية في عهدها ومسارها نفسه منذ عقود، أن يتحقق الكسب وبأسرع الفرص وأن تكون قواعد اللعبة قابلة للتغيير وفق ما تمليه الاحتمالات المفتوحة.
ما قاله نتانياهو انه "مستعد للقاء الرئيس عباس في رام الله أو القدس ومن دون شروط مسبقة ولمناقشة كافة القضايا"، قال "من دون شروط مسبقة" وهذا في حد ذاته شرط، بل الشرط الذي يسد الطريق أمام كل الشروط الأخرى ويعيق التفاوض.
على نتانياهو لكي يلغي الشروط المسبقة فعلا، أن يعمل على إنهاء ما يتسبب في تلك الشروط، بدلا من إضاعة الوقت مرة أخرى، خاصة أن الزمن بات قصيرا بالنظر إلى سبتمبر حيث الذهاب إلى الأمم المتحدة، وما تسعى إسرائيل إليه من خلال هذا "الاستعداد المشروط" أن يعبر سبتمبر في مفاوضات "رام الله والقدس" وبعدها يكون الوقت قد مضى لاعتراف أممي.. فالفرصة لا تأتي مرتين.