التقلبات الحادة التي يشهدها الشرق الأوسط أصبحت تهدد لبنان في الصميم، لا نقصد بذلك المسيرات المطالبة بالحرية والديمقراطية التي تنضوي تحت عنوان الربيع العربي، بل نقصد تلك التحركات التي يجري التعتيم عليها بشكل عمدي كي تتمكن اسرائيل من تنفيذ برنامجها الاستراتيجي القائم على العدوان وفتح كل المجالات لاستخدام السلاح في فرض الأمر الواقع سياسيا واقتصاديا على دول المنطقة وفي مقدمتها لبنان، الذى يعيش هذه الأيام أزمة خطيرة كدرت عليه الفرحة بإعلان حكومته الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي.
الأزمة الجديدة تتمثل في اجتراء اسرائيل على حدود لبنان البحرية ومنطقته الاقتصادية الحيوية عن طريق فرض ترسيم اسرائيلي للحدود البحرية بشكل يضم مناطق استكشاف للنفط والغاز داخل مياه لبنان وتحاول اسرائيل سرقتها بالضغط والتخويف ورغم ان لبنان يتبع الخطوات الشرعية المنبثقة عن القانون الدولي لترسيم حدوده من خلال بنود الاتفاقية الدولية لقانون البحار، إلا أن اسرائيل غير الموقعة على الاتفاقية تريد فرض أمر واقع وضم مناطق التنقيب عن الغاز اللبنانية الى منطقتها البحرية ونهب الثروات البحرية اللبنانية عن طريق الضغط والتخويف وفي الحقيقة فإن القضية اللبنانية ترتبط ارتباطا وثيقا بالقضية الفلسطينية فكلما شعرت اسرائيل بالإحباط والفشل في احتواء الملف الفلسطيني تلجأ الى إثارة المشاكل مع لبنان لكن الشعب اللبناني وقياداته واعية تماما بابعاد الصراع وتتعاطى معه انطلاقا من موقف عروبي يضمن وحدة الهدف والتوجه بين المسارين في مواجهة عدو مشترك مدعوم بموقف دولي متخاذل ومنبطح تحت أقدام اسرائيل.
وقد برز الاصرار اللبناني على التحدي من خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة للعدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان عام 2006 حيث قام رئيس الوزراء اللبناني في خطوة غير مسبوقة بزيارة جنوب لبنان والالتقاء بجيشه هناك والتأكيد على أن خلاصنا في وحدتنا ورغم الامكانيات المتواضعة لدى اللبنانيين في مواجهة الآلة التدميرية الاسرائيلية إلا ان العزيمة والإصرار لدى اللبنانيين والتفاهم حول رؤية موحدة لمواجهة العدوان الاسرائيلي بكل اشكاله تزرع الطمأنينة في النفوس بأن النصر في هذه المعارك المتعددة في مواجهة اسرائيل سيكون من نصيب لبنان، وواضح من هذه الزيارة المهمة التي قام بها ميقاتي ان لبنان يسعى لمفاوضات برعاية دولية لتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب ضمن المعايير التي نص عليها القرار الدولي رقم 1701 وذلك ليتفرغ لمعركة حماية حدوده البحرية وثرواته الاقتصادية، حيث نقلت اسرائيل المعركة من البر إلى البحر ومن نهب الأراضي في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وشمال قرية الغجر الى نهب المياه الاقليمية اللبنانية بما تحتوي من ثروات بحرية وموارد طاقة.
لكن عبارة ميقاتي في وحدتنا خلاصنا تشكل في حد ذاتها خارطة طريق للبنانيين لمواجهة العدوان الاسرائيلي ومن ثم يجب ان تنسحب هذه المقولة المهمة على الأداء السياسي العربي على المستويين الاقليمي والدولي فحشد كل الطاقات وتكثيف توعية المجتمع الدولي بعدالة قضايانا القومية ورفد هذه التحركات بموقف مقاوم وصامد على الأرض هي سبيلنا الى الخروج من هذه الدوامات المهلكة التي تديرنا فيها السياسة الاسرائيلية وحلفاؤها في واشنطن الذين يبيعون مصالح بلادهم لدعم عدو العرب الأول عسكريا وسياسيا وفي كل المحافل الدولية.
فكل سلوكيات اسرائيل العدوانية والمعرقلة لاستقرار المنطقة وتنميتها تؤكد أن التوحد في هذه المواجهات المتشعبة هو سبيلنا جميعا للخلاص على النحو الذي يرتجيه قادة لبنان في ظل حكومته الجديدة بدلا من العزف على وتر النظام الدولي المهترئ.