بصريح العبارة، وبدون لبس، أو غموض، نستطيع أن نجزم ان الحفاظ على الوحدة الوطنية، هو هاجس كافة أبناء الوطن، من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، وان هذه الوحدة كانت وستبقى -بعونه تعالى- صمام الأمان لهذا الحمى العربي، وحصنه المنيع، والبوصلة التي تتحكم في حراكه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد بأن كافة المسيرات والمظاهرات الشعبية التي انطلقت وتنطلق في العاصمة، وفي معظم مدن المملكة كانت تصب في تمتين الوحدة الوطنية, وتحرص على الحفاظ عليها باعتبارها السبب الرئيس في توفير نعمة الأمن والاستقرار التي ينعم بها الوطن والمواطن، في منطقة تمور بالزلازل والفتن، ما جعل من هذا الحمى العربي واحة يفيء اليها الاشقاء العرب هربا من الهجير العربي، يلتمسون العلم في جامعاتها، والاستشفاء في مستشفياتها.
لقد اثبت الشارع الاردني بأنه الاوعى، فلم تنطلِ عليه الدعوات الحزبية الغامضة، وبأنه الاوفى للوطن ومنجزاته، ومن هنا يحرص وهو يمارس حقه الطبيعي، وحقه الدستوري في التظاهر وتنظيم الاعتصامات والمسيرات على المطالبة بالاسراع في الاصلاح والتطوير والتغيير، وتجذير الديمقراطية والتعددية، ومحاربة الفساد، وتحقيق النهوض المأمول كسبيل وحيد لبناء أردن الغد، أردن المستقبل الواعد.
ومن ناحية اخرى، فلا بد من التأكيد على حقيقة لا ينكرها الا حاقد أو جاهل، وهي ان جلالة الملك عبدالله الثاني هو الذي يقود الاصلاح، وهو الذي يعمل ليلاً ونهاراً لاحداث التغيير المطلوب، وحفز المواطنين على المشاركة في معركة البناء والتطوير، فكانت لقاءاته المتكررة مع كافة ممثلي الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشبابية، وزياراته للأهل والعشيرة والربع في كافة محافظات المملكة، في الريف والحضر والبادية، يحث المواطنين على المشاركة في عملية الاصلاح، ورفع مداميك النهضة وقبل ذلك وبعد، للوقوف على احتياجاتهم والتخفيف من معاناتهم.
ان النتيجة الأهم -في تقديرنا- لمسيرات ومظاهرات الجمعة الماضية، هي التأكيد على حرص المواطنين على حماية الوطن ومنجزاته، وحرصهم على رفض سيطرة فئة او حزب على الشارع، وايمانهم المطلق بضرورة ان تبقى هذه المظاهرات سلمية، وان لا تجري الاعتصامات في الاماكن الحساسة، التي تشل حركة السير، والمحلات التجارية، وتنفر السياح الوافدين الى الاردن، بعد ان وجدوا فيه وطنا مضيافا.
مجمل القول: رغم مرور اكثر من عشرين شهرا على تنظيم الاعتصامات والمسيرات السلمية في اغلب مدن المملكة، وبمشاركة الفعاليات الشعبية والسياسية والحزبية والشبابية، لا تزال التجربة الاردنية، تحظى بالاحترام والتقدير في المنطقة، لما تتمتع به من شفافية وحرية، وحرص على تجذير الديمقراطية والتعددية، واحترام الرأي الآخر.. واتفاق الجميع على ضرورة تحقيق الاصلاح المنشود، والخروج من حالة الجمود والمراوحة الى أفق العمل والبناء والابتكار، ليبقى هذا الحمى العربي، مثالا في التقدم والازدهار والتحديث، وقبل ذلك وبعده دولة قانون ومؤسسات.