في الوقت الذي قرر فيه العرب الذهاب إلى الأمم المتحدة في سبتمبر بهدف الحصول على اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن أوضاع الشعب الفلسطيني على الأرض تشوبها الكثير من المخاطر لاسيما في ظل ضعف الوضع الاقتصادي، ولهذا لم يكن من المستغرب أن تشير استطلاعات رأي إلى أن السكان رغم انتظارهم لميلاد دولتهم المستقلة إلا أنهم يفكرون بشكل عاجل في حلول المشاكل المادية المباشرة، قبل الحلول السياسية.

ويبدو المثال الأوضح على سوء الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة فالمصالحة التي أنجزت مؤخرا بالإضافة إلى تسهيل المعابر لم تساهم بالشكل الواضح في أن يعيش سكان القطاع في ظروف أفضل، وهو أمر غير ممكن بحدود الوقت، فالتغييرات الملموسة في الحياة المادية وتحسن ظروف المعاش لا تنجز بين ليلة وضحاها.ولا تبدو سياسة الحصار الإسرائيلي هي المسألة الوحيدة التي تؤزم جوهر التحدي الاقتصادي في توفير أبسط فرص العيش، حيث إن هناك من يرى أن فترة ما بعد المصالحة الأخيرة شهدت توظيفا غير موفق من بعض السياسيين في القطاع في إطار حديثهم عن تحسنات جلية وسريعة وأن القطاع بعد الثورة المصرية يبدو أكثر انفتاحا ومتخلصا من المشكلة الاقتصادية.

ثمة تداخل بين السياسي والاقتصادي لاشك في ذلك، لكن هاجس المواطن الفلسطيني في نهاية الأمر وهو يحلم بدولته المستقلة أن يعيش برفاهية وهناء وأن يرى ثمرات القرار السياسي منعكسة على الشأن الاقتصادي، وبالتالي فإن الدول العربية وهي تدعم إقرار أممي بالإعلان عن الدولة الفلسطينية لتكون الدولة رقم "194" في منظمة الأمم المتحدة، بعد قبول عضوية جنوب السودان الذي حملت الرقم "193". مثل هذا الإقرار والدعم يجب أن تعقبه خطوات عملية ومتسارعة في إطار إعادة النظر في مسألة وضع المواطن الفلسطيني ومعاشه، والتفكير من الآن في مستقبل الدولة الفلسطينية من حيث البني الاقتصادية والدعم اللوجستي، حتى لا يأتي الأمل ساعة يتحقق مبتورا.

فإذا كانت جنوب السودان وجدت من المجتمع الدولي والغرب والصين ايضا من يدعمها لكي تنهض، وهو أمر تم الترتيب له سلفا، فإن الفلسطينيين وفي ظل التلويح الأمريكي بوقف المساعدات والحصار الإسرائيلي وتهديد سفن المعونات، وغيرها من صور المضايقات، وغياب برامج اقتصادية واضحة يساهم فيها العرب، باعتبار أن هذه القضية هم قومي، كل ذلك يجب أن يوضع في الأولويات مبكرا وأن يكون ضمن أجندة الجامعة العربية، فمشروعات الدعم لفلسطين اقتصاديا لا تزال خجولة قياسا لحجم التضامن الإعلامي في الصحافة والفضائيات العربية والدعم السياسي.

ولهذا لم يكن مستغربا أبدا أن يأتي استطلاع ليكشف أن 4 بالمائة فقط من الفلسطينيين هم الذين قالوا بأولوية الاعتراف بدولة مستقلة عبر الأمم المتحدة، في حين أن 83 بالمائة عبروا بصوت صريح العبارة أن الأولوية بالنسبة لهم هي توفير فرص العمل و36 بالمائة يطالبون بالخدمات الصحية.