إذا كان الهدف النهائي للمسيرات الاجتماعية في سوريا هو التنعم بالحرية والتغيير السياسي وإحلال نظام ديمقراضي فلا بد أن تكون القواسم المشتركة هي السبيل الوحيد للحل، أما تمسك كل طرف بخياراته الخاصة، انطلاقا من شعور داخلي بالتميز واليقين بغلبة كفته استنادا الى القوة العسكرية لدى النظام القائم، أو استنادا الى الدعم الأجنبي لدى المعارضين فمن شأنه تعقيد إمكانيات الحل. فقد اثبتت التجارب وخاصة في ليبيا واليمن أن كلا الخيارين لم يثبت جدواه وكل ما جناه الطرفان المتصارعان في البلدين هو مزيد من الدماء والشحناء وإذكاء العداوات التي تصل بهما الى حالة من المفارقة التي لا رجعة فيها وفي هذه الحالة من المغالبة المستمرة يظل الشعب السوري يدفع الثمن من دماء أبنائه دون أن يظهر له ضوء في نهاية هذا النفق المظلم كما ان الاستمرار في هذا التعنت وانتظار تحقيق النصر النهائي على الخصم يؤكد أن الطرفين يبغيان السلطة والزعامة والوجاهة السياسية اكثر مما يبغيان بناء دولة حديثة يستحقها الشعب السوري.

بكل تأكيد بعد كل هذه التضحيات، والتنازل للشعب ليس انقاصا من هيبة احد فالشعب السوري يريد أن يشعر بإصلاحات بغض النظر عمن يحوز مقعد السلطة، لكن الشعب حريص على أن يكون هو صاحب الرأي الأول والاخير في اختيار قياداته، أما لعبة عض الاصابع الجارية والاستقواء بعوامل غير مجدية فإنها في المحصلة النهائية ستكون كارثة على الجميع ولنكن اكثر وضوحا بالقول إن من يغالي في طلب السلطة على دماء شعبه يفقد وطنيته وكذلك يفقد كل أدواته الدعائية للاقناع بانه يعمل لحساب الشعب او الوطن وكم من انظمة اطلقت اسماء الوطنية والديمقراطية والحرية والاشتراكية على أحزابها أو حتى دولها لكنهم كانوا نموذجا للاستبداد السياسي الذي يخرب كل شيء ويؤدي الى التدخل الأجنبي المدمر لكل مقدرات الوطن، بعد الانزلاق الى لعبة الأمم التي لا ترحم ولا يجدي معها حسن الظن في لاعبيها.

فالمهم إذن أن يثبت كل طرف في سوريا حسن النية بالمبادرة الى الحوار وتعزيز مصداقيته وصدقية طروحاته للحل والتنازل عن القيم السياسية التي كانت سائدة قبل عام 2011 أو عام الربيع العربي كما يطلق عليه الاعلام الغربي. إن الانتقال السلمي نحو دولة مدنية تعددية وديمقراطية منفتحة على شعبها والشعوب الأخرى ليس مجرد صياغات لغوية طنانة إنما هي فعل وواقع يجب ان يراه الناس رأي العين ويلمسونه بحواسهم ويدركونه بمدركاتهم ثم عند الاتفاق على محاور التسوية يجري استفتاء الشعب على ما توصل اليه الحوار الوطني من بنود فالشعب مصدر السلطات.

وتنحية الضغائن المغتملة في النفوس صارت أمرا ملحا حتى تضع هذه الحرب الدعائية أوزارها ويأتي السوريون الى كلمة سواء، وها نحن نسمع منذ أمس عن بدء لقاءات تشاورية ضمن حوار وطني موسع، وبانتظار أن يقرنوا القول بالفعل نقول لمن يزجي الوعود.. أفلح إن صدق.. وأملنا أن يصدق>