يكثر في العالم الغربي الحديث عن حقوق الإنسان وانها الخط الأحمر الذي لا تَخطي له مهما كانت مقدمات المعادلة المنطقية، لكن ما يستقر عليه المراقب للمشهد أن هذا الحق ليس ضمن قائمة أولويات هذا الغرب عندما يكون ملازما لإنسانية الشعب الفلسطيني، وكأن الغرب يجرده من أبسط حقوقه في أن تكون له دولة مستقلة.

تسابق الغرب يوم أمس في الاعتراف بدولة " جنوب السودان" المنفصلة عن السودان الدولة التي لها مكانتها في السياقات التاريخية، ليضاف رقم جديد في عدد الدول في العالم، لأن الغرب يرى في هذا الانفصال حماية وانتصارا لحقوق الإنسان.

فالجنوبيون صوتوا لصالح الانفصال، وما دام رأيهم قد اتفق على الانفصال فلهم الحق في ذلك. لكن هذا الحق يتلاشى عندما يكون لصالح شعب صاحب أرض معروفة عبر قرون التاريخ الطويلة، لا لشيء إلا لأن اللوبي اليهودي في أمريكا لا يريد هذا الأمر؛ خوفا على مصالح الكيان الاقتصادية والسياسية.

وليست الدول الغربية وحدها التي اعترفت أمس باستقلال الجنوب عن الشمال في السودان، بل حتى الدول العربية باركت الخطوة، باعتبار أنها " حق إنساني لشعب جنوب السودان"، كما هو الحال مع ليبيا التي سارعت إلى الاعتراف بهذا الحق الشرعي، في حين أنها تمارس أقسى أنواع القهر والتنكيل بشعبها، الطامح نحو الحرية، ونيل أبسط أنواع حقوقه.

يبدو المشهد في مجمله إذا أبعد ما يكون عن خطاب الحقوق الإنسانية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، إنه ببساطة مشهد المصالح لا غير، مشهد البحث عن التوازنات السياسية والاقتصادية، العاري في الغالب عن أي اعتبار لحقوق الإنسان.

الشعوب الغربية مطالبة اليوم، أمام الشعوب الشرقية أن تثبت دعمها لحقوق الإنسان، وتظهر عكس ما تظهره بعض الحكومات الغربية عندما يتعلق الأمر بالعمل من أجل حقوق الإنسان، لا من أجل الشعارات فقط.

وعليه ان يثبت تلك النوايا، ويضغط على حكوماته في قادم الأيام عندما يذهب الفلسطينيون إلى الأمم المتحدة طلبا لاعتراف دولي "بدولة فلسطين" على حدود 1967، لأن الشعب الفلسطيني يملك من المبررات ما لا يملكها جنوب السودان لنيل دولة مستقلة معترف بها دوليا. العالم اليوم بات أكثر وعيا بالقضية الفلسطينية، والتنازلات الكثيرة التي حدثت في ماضي الأيام مقابل أن يحل السلام في هذه البقعة الملتهبة من العالم، منذ ما يزيد على ستين سنة. وعلى الأمم المتحدة أن تخرج من تبعيتها للقوى العظمى في العالم، وتمارس الأهداف التي انشئت من أجلها كهيئة تمثل العالم أجمع، وترعى حقوق البشر بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية، وتعترف بدولة فلسطين. وقبل ذلك تساهم بشكل حقيقي في رفع الحصار الجائر عن غزة.

لكن الغرب صاحب القوة العظمى في العالم لا يبدو أنه سيعترف بتلك الحقوق إذا ما كانت صفة للشعب العربي في فلسطين ـ رغم أنه دعم بعض الثورات العربية ـ، فهذا الغرب مارس أنواع الضغط على اليونان من أجل عدم اتمام إبحار " أسطول الحربة2"، وهي مقدمة في معادلة طويلة لا تنتهي في سياق الاعتراف بدولة فلسطين.

نتمنى أن لا يكون التدخل الغربي في بعض مجريات الأحداث التي يشهدها الشارع العربي، مبررا لوجستيا في الوقوف في وجه رغبة العالم العربي أجمع في أن تصبح فلسطين دولة مستقلة معترفا بها كما حصل أمس مع السودان، فالغرب يملك مساحة كبيرة للرؤية المستقبلية، قد لا نملكها نحن العرب، وننساق وراء شعارات سنكتشف لاحقا أن نفعها آني، إنما نتائجها لم ولن تكون في صالح القضايا العربية