اليوم يصبح السودان سودانين، شمالي وجنوبي، وقد لاحظنا إلى أي حد يشتد المجتمع الغربي لتعزيز خطوات الجنوبيين نحو الانفصال، وهذه الحمية لا تأتي عن طيب خاطر أو رغبة في دعم شعب يسعى نحو الاستقلال فقط. إنما هذا الدعم له ما بعده، فما بعد يوم الاستقلال ستأتي أيام تتكالب فيه الدول الغربية ورأس حربتها إسرائيل، لتستغل ثروات هذا البلد الجديد النائمة بينما هو يتعطش لكل شيء، ولكل معلم من معالم الحضارة الحديثة.

ويعلم الجنوبيون خير العلم أن مصالحهم على المدى البعيد ارتبطت ارتباطا وثيقا بالدول المجاورة وخاصة الوطن الأم (السودان) وجواره العربي والأفريقي وعلى رأسه مصر هذا يدعو الدول العربية كاملة أن تنهض لدعم قيام الدولة الجديدة ومساعدتها على تأسيس بنيتها التحتية وإنشاء برامج تنمية تتوفر مقوماتها الأساسية داخل جنوب السودان نفسه وقد أحسن قادة الشمال حين بادروا إلى الاعتراف بمن كانوا يحاربونهم لعشرات السنين مانعين إياهم من اقامة دولة حتى أدرك هؤلاء القادة أن من الأفضل لهم التعايش مع دولة جديدة والعمل المشترك لتنمية تلك الأماكن البكر من شرق القارة الأفريقية بمواردها المتعددة، ولعل ما يجعل العرب أقرب للجنوبيين من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إدراكهم أن هذه الدول الكبرى تسعى لمصالحها، وهي لم تترك بلدا دختله باسم الحرية وحماية حقوق الإنسان إلا تركته انقاضا وركامات وبقايا بشر وأطلال حجر.

ولا شك أن الجنوبيين يتلفتون حولهم فيروا ما حدث في الصومال وأفغانستان والعراق بل وتيمور الشرقية فكلها بلاد تركها التدخل الأجنبي خرابا ويبابا وعبرة لمن يعتر لذلك هم أيضا بادروا الى التقارب مع الدول العربية وبخاصة السودان ومصر كتخوم أقرب وأكثر ارتباطا في المصالح ومن ثم فعلى الدول العربية وفي مقدمتها مصر والسودان المبادرة إلى مد يد العون وإثبات حسن النية والاستعداد لتبادل المنافع والتكامل بين اقتصادات دول المنطقة بما فيها دولة جنوب السودان الجديدة لقد كان انفصال الجنوب شاهدا على التراجع العربي عن التقارب مع الآخر بغض النظر عن العرق أو الدين أو أحقاد الماضي وتداعياته المريرة وشاهدا على تأخرنا في قراءة العواقب.

اليوم حانت الفرصة للتصالح مع الذات والمبادرة إلى مساعدة دولة كانت جزءا من دولة شقيقة ثم صارت "جارة" لكنها تعلم أنها ترتبط بمحيطها الإقليمي ارتباطا مصيريا. صحيح أن هناك التفاته الى القرن الأفريقي وشرق القارة من جانب دول عربية مثل مصر بعد 25 يناير 2011 لكن جنوب السودان هو "الجار ذو القربي" وهو أولى بالاهتمام والرعاية حتى نقيم جسور المودة ونضخ في مسيرة العلاقة مع وادي النيل على امتداده في قلب إفريقيا دماء جديدة تشرح صدرهم وتغسل مخاوفهم وتؤلف قلوبهم وقد فتح استقلال جنوب السودان للعرب موسما للهجرة الى الجنوب هو بالقطع أنفع لهم وأجدى من تعلق أبصارهم بالشمال المغرور والمتآمر على مصالح العرب والذي يحيك لهم المزالق ويضنع لهم العوائق لوقف مشروعاتهم التنموية فمرحبا بدولة جديدة صديقة تحتفل بيوم له ما بعده.