ألقت الأنظمة السياسية الأوروبية والأميركية ومعها المنظمات السياسية والاقتصادية الدولية بآخر ما لديها من أدوات دعم لإسرائيل التي تختزنها إلى الضرورة التي تستحقها، من تلك الأدوات ممارسة سياسة الابتزاز (والمعايرة) التي ينطبق عليها المثل القائل: (من يأكل لقمتي يسمع كلمتي)، وقد مورست هذه السياسة في وقت واحد ضد كل من اليونان والسلطة الوطنية الفلسطينية.
لقد أشهر الأوروبيون والأميركيون بشكل سافر سلاح الضغط المالي في وجه بلاد ومؤسسات تعاني ظروفًا مادية صعبة، فقد خيروا اليونان بين الانصياع لرغبة إسرائيل في عرقلة أسطول الحرية أو الحرمان من الدعم المادي، وبالطبع فإن دولة على وشك الإفلاس لا بد أن تختار الإذعان للدول المانحة والمتحكمة في المؤسسات المالية الدولية، والتضحية بالمبادئ والمواقف المبدئية الثابتة.
فقد كانت اليونان حين كانت دولة مستقرة ماليًّا وسياسيًّا مؤمنة بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وقيام الدولة، وبعد انضمامها للاتحاد الأوروبي وإلزامها بمعايير الانضمام التي تجبر الحكومة على التقشف ضمن ما يسمى (بالإصلاح الاقتصادي) بمقياس الاتحاد الأوروبي تكاد الحكومة اليونانية لا تجد ما تدفعه لموظفيها من رواتب ومخصصات مالية. معذورة الحكومة اليونانية فالطعام يسبق الموقف السياسي في جدول الضرورات الإنسانية، لكن ليس من اليونان فقط يمكن أن تنطلق سفن الحرية وستجد لنفسها مرافئ أخرى للإبحار إلى غزة.
أما السلطة الوطنية الفلسطينية فمأساتها أكثر فداحة؛ فهي القابضة على الجمر والواقعة تحت الضغوط الأقوى للعودة عن إعلان الدولة في الأمم المتحدة مقابل الدعم المادي، فماذا تفعل السلطة وقد شرعت بالفعل في تخفيض رواتب موظفيها، حيث فوجئ الفلسطينيون بنصف راتب فقط في حساباتهم البنكية، ثم ألمحت باريس على لسان وزير خارجيتها أن مؤتمر المانحين المقرر عقده في سبتمبر قد يتحول إلى مؤتمر سلام يجمع الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن على أي أجندة سيتم هذا الجمع؟
على أجندة إسرائيل أم المطلب الفلسطيني بضرورة إعلان الدولة الفلسطينية والاعتراف بها في الأمم المتحدة؟ ليتخيل أحدنا نفسه في موقف قيادات السلطة الوطنية الفلسطينية وهي تعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه شعبها إذا ما طلب المانحون (الضاغطون) أن تتنازل عن تقديم مشروع إعلان الدولة للأمم المتحدة، وأن تجلس لتستمع لمهاترات الإسرائيليين كشرط للحصول على المال لإطعام الشعب الفلسطيني! وهل يجوز هذا وجيوب غير الفلسطينيين من العرب متخمة بمال معطل لا يعرف كيف سيستثمر وأين؟
إننا كعرب نقف الآن أمام درس تاريخي يحذرنا من التفكير القطري المنعزل عن مشكلات الأمة العربية ككل، وكوحدة إقليمية وديموغرافية واحدة. لا بد من وقف هذا الابتزاز السافر من جانب من يعتبرون أنفسهم وسطاء سلام، وها هم يعرون أنفسهم من ورقة التوت التي تسمى بـ(نصرة الحرية والعدالة وحقوق الإنسان)، لكن بالتأكيد هناك من يمكنه وقف هذه المهزلة.
وأظهر قادة السلطة شجاعة إضافية حين أعلن محمود عباس أمس أنه ماضٍ في سبيله إلى الأمم المتحدة، لكن هذا لا ينفي حتمية التدخل العربي لصالحه.