كما تعودنا في تناولنا لأحداث لبنان، دائما ما يكون هناك فريقان، أحدهما (مع) والآخر (ضد) أو بحسب التسميات اللبنانية (الموالاة والمعارضة) وارتفاع حاسة اللبنانيين السياسية يكفيهم الشرح حول من يوالي من، ومن يعارض من، ثم يستدعي الأمر بالضرورة النظر بعين البصيرة إلى المحرك أو المحفز لموقف كل من الموالاة والمعارضة .

 لقد شهد لبنان عمليات اغتيال كثيرة فتاريخه السياسي مضمخ بالدم، لكن الشعب اللبناني اكتسب حاسته التمييزية من كل محنة مر بها سواء الاغتيالات الفردية أو الحروب الأهلية بين المدن والأحياء، إلا أن جرم اغتيال رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري يبقى الأكثر تأبيا على الدخول طي النسيان، لكثرة ما تم توظيفه سياسيا لتلبية أهداف كل الأطراف الضالعة في تجسيد محنة لبنان السياسية الحالية وإخراجه من خط المواجهة مع إسرائيل.

 وبمناسبة الإعلان عن تسليم الملف الاتهامي الطبي للمدعي العام اللبناني من قبل المحكمة الدولية الخاصة عاد الانقسام في الآراء والمواقف ليعبر عن نفسه بقوة في لحظات حرجة يحاول فيها الرئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي إخراج حكومته إلى النور، إلا أن نذر الازمة وتداعياتها غدت تهدد الميلاد العسير لحكومة ميقاتي وهي وإن تكن لا تختلف عن سابقاتها من الحكومات اللبنانية في عسر ميلادها، إلا أن هذه العسرة الحالية تبدو أشد وأكثر تعقيدا .

خاصة بعد حديث الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عن الرفض المطلق لقرار المحكمة الخاصة التي نظرت في قضية اغتيال الحريري وتقديمه لأدلة على تسييس القضية لخدمة مصالح أطراف تخطط منذ زمن طويل لإبقاء لبنان ومعه سوريا كيانا مستنفد الطاقة والقدرة على المواجهة عبر إيقاعهما في مشكلات وأزمات يجري الترتيب لها بإحكام قبل التنفيذ وبالمقابل التقط معارضو حزب الله خيط القرار الاتهامي ليعتبروه الطريق إلى العدالة وطالبوا رئيس الوزراء ميقاتي بالالتزام الصريح بقرار مجلس الأمن 1757 الذي تمخض عن قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان،

 ما يعني أن على حكومة ميقاتي تنفيذ عملية تسليم المتهمين أو تعمل المعارضة على إفشالها إنها معادلة صعبة حقا، فلا أحد يشك أن اللبنانيين بكل اطيافهم يريدون معرفة من وراء الاغتيال لكن المحكمة الدولية التي نظرت في الملف شابها الكثير من الجدل وحامت الشبهات حول صدقية العاملين على التحقيق فيها.

ومن ثم فالمحكمة لم تتوصل إلى قاتل محدد أو أدلة قطعية بل كلها (ظنية) كما أنها لم توسع دائرة الاشتباه في متهمين من غير اللبنانيين والسوريين في رحلة البحث عن الحقيقة، ويتضح من حصر الاتهام في فئة تقاوم وتناصب اسرائيل العداء وفي اختيار توقيت تسليم قرار الاتهام أن الهدف هو تفجير الأوضاع في لبنان والانتقام من أطراف بعينها، واستنادا الى (ظنية) الاتهام، فإن ثمة ظنونا مقابلة وشكوكا تعتمل في النفوس فما مصلحة فصيل مقاوم لإسرائيل في اغتيال رئيس وزراء معروف بوطنيته وعروبيته وحرصه على مصلحة بلاده العليا وكانت علاقاته مع حزب الله على أحسن ما يكون من التنسيق من أجل بقاء المقاومة الوحيدة التي كسرت أنف الجيش الاسرائيلي واستعصت على مناورات تفكيكها وملف اغتيال الحريري جزء منها؟

وحتى لا يبقى المسرح السياسي اللبناني ومناخ السلم الاهلي اللبناني فيه رهنا بملف المحكمة الدولية على اللبنانيين التروي في اتخاذ الخطوة المقبلة وعليهم ايضا الثقة في رئيس وزرائهم المكلف فاستمرار حكومته ودعمها والثقة فيها يجنب لبنان واحدة من أخطر المؤامرات على امنه وعروبته واستعداده الدائم للمقاومة ويجنبه ايضا الوقوع في معترك ازمة مع المجتمع الدولي تصرفه عن مصالحه العليا.