بعد عشرين عاما من أحاديث السلام وتكاثر وسطائه وتكرار التأكيدات للعرب بالالتزام بتطبيق الخطط المرحلية لإقرار السلام في الشرق الأوسط واستعادة الحقوق الفلسطينية ، توالت اختبارات المصداقية لهؤلاء الوسطاء دون أن يثبتوا مرة واحدة أنهم بالفعل ملتزمون بمقررات السلام أو بتطبيق العدالة على أساس القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة . وحين تم التوصل إلى اتفاقية أوسلو كان هناك جدول زمني لقيام الدولة الفلسطينية وكان قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بمثابة تمهيد لقيام الدولة الأمر الذي لم يتحقق حتى اليوم .

ونحن الآن أمام آخر ثلاثة امتحانات مصداقية فشلت فيها الدول الوسيطة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ، أول امتحان كان تأكيدات واشنطن بإقامة الدولة الفلسطينية بحلول عام 2005 ، ولم يحدث ، والثاني حين أعطت واشنطن وعدا بوقف الاستيطان ولم يحدث والثالث هو ما حدث أمس من ممارسة ضغوط أميركية على اليونان لمنع إبحار أسطول الحرية (2) من المرافئ اليونانية وقيام أنظمة مخابرات مجهولة بتخريب سفينتين بشكل احترافي لا يستطيع تنفيذه بهذه الدقة إلا أجهزة استخبارات حسبما صرح به قبطان السفينة الأيرلندية التي تم تخريبها في ميناء تركي قبيل إبحارها للانضمام إلى الاسطول ، ثم جاءت المفاجأة أمس متمثلة في قرار سياسي يوناني بتعطيل الأسطول ورفض إعطائه تصاريح إبحار .

وتدل المظاهرة التي اندلعت أمام السفارة الأميركية في أثينا أمس احتجاجا على منع إبحار الاسطول الذي جهز له النشطاء وأيضا حقوق الإنسان الفلسطيني منذ أشهر وأنفقوا عليه الملايين لشراء مواد إنسانية لا وجود لأي أسلحة أو مواد ممنوعة كما روجت الدعاية الإسرائيلية والأميركية جاءت لتثبت تقدم وعي الشعوب حول القضية الفلسطينية . إن التدخل الأميركي على هذا النحو منح الفرصة لنتنياهو ليكرر مزاعمه عن (القطاع الإرهابي) وهو المسمى الذي يطلقه على قطاع غزة ، وكأن الأطفال والنساء المحاصرين فيه إرهابيون ، وكأن المواد المشحونة إليهم عبر أساطيل الحرية (صواريخ وقذائف) كما وصفها نتنياهو في تحد سافر للمنطق والعقل ، فالشحنات تتعرض لتفتيش دقيق حسب اتفاقيات دولية معمول بها منذ زمن ، خاصة إذا كانت في طريقها للأراضي الفلسطينية ، وتنص على تفتيش أي سفينة في المياه الدولية بمجرد الشك في حمولتها .

لقد سقطت الأقنعة عن الذين مازالوا يتشدقون بأحاديث السلام وأصبحت الكرة الآن في ملعب الذين مايزالون يتعاملون مع وسطاء السلام على أنهم أطراف يمكن الاستعانة بهم للتوصل إلى تسوية سلمية في القضية الفلسطينية وهم أمام الاختبار القادم هو إعلان الدولة الفلسطينة في الأمم المتحدة وعليهم حشد الطاقات لإحباط المخطط السري الأميركي الإسرائيلي لعرقلة قيام الدولة كما تم عرقلة جهود كسر الحصار عن غزة، ويكفي إذعانا من جانب الأنظمة السياسية للضغوط الأميركية، فلا توجد قوة سياسية واضحة المعالم يمكن التحاور معها في الولايات المتحدة، خاصة في مواسم الانتخابات حيث يسود المبدأ المكيافلي للفوز بأصوات اليهود عن طريق إعلان الدعم المطلق لإسرائيل ومن ثم فإن إعلان الدولة الفلسطينية هو الاختبار الحقيقي للعرب كأول ظهير للشعب الفلسطيني، ثم لدول العالم المناصرين للقضية وهم الأغلبية حتى تنتهي لعبة النفاق في الوساطة الدولية القائمة حاليا لحل الصراع العربي الإسرائيلي.