لا شك أن الشعب اللبناني بدأ يتململ من تكرار محاولات إفساد عملية التشكيل الوزاري التي واجهت استعصاء طويل الأمد، رغم الجهود المستميتة التي بذلها رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي، وآخر فصول هذا الإفساد هو قيام المحكمة الدولية المكلفة بالنظر في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بتسليم السلطات اللبنانية قرار الاتهام في هذا الظرف الصعب. وبالطبع تسربت معلومات عديدة عن المتهمين في جريمة القتل بموجب قرار الاتهام الذي يتضمن عددًا من أسماء قيادات في حزب الله ضمن المتهمين، الأمر الذي ينسف الأسس القائمة عليها الحكومة الجديدة والتي يعتبر الحزب ضمن أعمدتها الرئيسية.

والإفساد المقصود هنا هو وضع ميقاتي وحكومته في مأزق خطير، وهي لم تقدم للبرلمان بعد، بينما أنذر رئيس البرلمان نبيه بري بأن الحكومة ستعتبر في حكم المنتهية إذا لم يقدم ميقاتي البيان الوزاري لتشكيلها أمام البرلمان خلال الأيام الأولى من هذا الشهر (يوليو). وإذا ما تم الإعلان عن أسماء المتهمين الذين تضمنهم قرار الاتهام، فإن هذا سيلزم ميقاتي بالعمل على تسليم هؤلاء المتهمين إلى المحكمة، الأمر الذي ينسف الحكومة التي ما زالت جنينًا يتأرجح في رحم الأزمة السياسية اللبنانية حتى اليوم. فحزب الله لن يقبل هذا الإجراء وسينسحب بأعضائه من الحكومة، ما يؤدي إلى انهيار كل جهود ميقاتي لتشكيلها، ولتبدأ بذلك دورة جديدة من دورات التوتر السياسي والاجتماعي في لبنان، بل قد لا يتوقف الأمر على لبنان، وإنما قد ينسحب التوتر ليزيد من تأزم الوضع في سوريا أيضًا، حيث هدف المحكمة منذ البداية كان توريط النظام السياسي في سوريا في القضية لضرب حزب الله وسوريا معًا بحجر واحد، وهما من أشد المعادين لإسرائيل التي تعتبر المحرك الأساسي لنشاط المحكمة الدولية الخاصة التي تنظر في قضية اغتيال الحريري.

ولأن الشعب اللبناني قد عانى الكثير من وقوعه في معترك الاستقطاب السياسي الإقليمي والدولي، لذلك فهو قد تمرس في مواجهة هذه المآزق ونجح في اجتيازها أكثر من مرة، وها هو الآن أمام واحدة من أخطر المعضلات التي تهدد سلمه الأهلي، وتهدد بإعادة جهود تشكيل الحكومة إلى نقطة الصفر. هذا يجعلنا نعوِّل من جديد على حكمة اللبنانيين وحصافتهم التي أنضجتها التجارب السابقة، وكما قال ميقاتي فإن الخروج من المأزق يقتضي مقاربة واعية تضمن مصلحة لبنان العليا وسلمه الأهلي في الأساس. إن الواقع الجديد الذي تحدث عنه نجيب ميقاتي يقتضي من كل الأطراف اللبنانية أن تتعامل معه على أسس من الوعي والتبصر حتى لا ينفرط العقد اللبناني من جديد، وحتى لا يتردى هذا البلد العربي المصاب بلعنة (الديموغرافيا) في مهاوي الضياع والتشتت، فهذا بالضبط ما يريده الذين يزرعون في طريقه الشوك، ولا يكفون عن افتعال الأزمات في الأوقات الحساسة من تاريخ لبنان.

وفي النهاية فإن من حق الشعب اللبناني معرفة المتسبب في مأساة اغتيال الحريري مهما كان انتماؤه، فالعدالة لا بد أن تأخذ مجراها دون تضحية بالسلام الاجتماعي والتماسك الوطني اللبناني.