يبدو الأوروبيون والأميركيون وكأنهم قد وجدوا مهربا مناسبا يمارسون فيه دورهم الأبوي على الاخرين باسم تعزيز الحرية، بعد أن اقعدتهم إسرائيل عن إحراز أي انجاز على صعيد عملية السلام وحرية الفلسطينيين، فالساحة العربية الان صارت مرتعا للمبعوثين والوسطاء، كما وجد الاتحاد الأوروبي في تدمير ليبيا على رأس الليبيين، وفرض العقوبات على سوريا مجالا لاثبات القدرة على إدارة دفة السياسة الدولية حسب ما تقتضي مصالحهم طبعا، بعد ان تقاسموا المهام مع الولايات المتحدة لتفكيك عرى التماسك الوطني في كل دولة عربية على حدة، وبقدر ما تسمح به الظروف والامكانيات ومصادر التمويل، فليبيا يتم قصفها من الجو بشكل عشوائي يطيح بالمدنيين وقوات القذافي وقوات معارضيه على السواء وكان من الممكن دعم الثوار على الارض بالسلاح والغذاء والدواء والمال ليواصلوا طلب الحرية وسوريا يكفيها العقوبات، تجنبا لحساسيات المنطقة المحيطة بإسرائيل، ولتبدأ بالعقوبات فصلا من فصول تجويع الشعب السوري وافقاره بحجة طلب الحرية، وهو نفس الشعار الذي دمرت به قوات التحالف العراق، الذي ما زال يتردى في الفوضى الأمنية ويسقط فيه عشرات القتلى والجرحى في هجمات كانت قد أعلنت قوات الاحتلال الأميركي انها تقلصت الى حد كبير. اما اليمن فيكفيه وساطة أميركية يقوم بها فيلتمان حاليا للتوفيق بين النظام ومعارضيه، دون اي دعم اقتصادي او برامج لتعزيز البنية الاساسية لحياة الشعب اليمني وعيشه الكريم.

وفي السودان عملت الدول الغربية على تمزيق الاراضي السودانية الى مناطق جنوبية مستقلة ومناطق شمالية تعاني الضغط الدولي ومناطق عربية تتردى في مأساة الحرب الاهلية وبخاصة في دارفور، ثم مناطق منزوعة السلاح حيث منابع النفط في أبيي، وهي الهدف الأول للأوروبيين والأميركيين على السواء، ثم يقوم وزير خارجية ألمانيا بدور وساطة في الخرطوم داعيا الشماليين والجنوبيين الى (التعاون) ومبديا قلقه على المدنيين الفارين من المعارك في مناطق التماس بين الجنوب والشمال. إن معظم القلاقل التي وقعت فيها الدول العربية تعود المسؤولية فيها أساسا الى تذبذب مواقف الأوروبيين والأميركيين وتناقض سياساتهم تجاه بلدان الشرق الأوسط والى تقاعسهم تجاه التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي.

فقوات التحالف الغربي تقتل المدنيين العرب من اجل حماية المدنيين العرب!! ورغم رغبة إيطالية وفرنسية على لسان الجنرال بوشار قائد عمليات الناتو في ليبيا للتوصل لوقف اطلاق النار لفتح ممرات انسانية لمساعدة المدنيين الذين تعرضوا لقصف طائرات الناتو في ليبيا إلا ان السياسيين الآخرين يرفضون اي هدنة (حتى لو كانت انسانية) إذا الهدف هو التدمير وليس التغيير، وفي نفس الوقت أدار الأوربيون والأميركيون ظهرهم للملف الفلسطيني بموقفهم المتشدد من تداعيات الانتفاضات الداخلية العربية، حيث لم يعلق احد على تهديدات إسرائيل بمهاجمة المدنيين القادمين من اليونان على متن سفن الحرية لكسر الحصار على غزة، بل وتطلق إسرائيل تهديداتها باعتراض الاسطول (السلمي) من على منبر الأمم المتحدة، حيث صدر التحذير على لسان سفير إسرائيل فيها. فأوروبا التي تضحي بأبنائها على متن سفن الحرية من اجل ارضاء إسرائيل تنهمك في نفس الوقت في قتل المدنيين العرب! أليس المدنيون الفلسطينيون بحاجة الى الحرية؟ انهم عرب ايضا. حتى المنظمة الدولية تحولت الى مسرح لتهديد كل ما هو عربي، وحماية كل تصرف إسرائيلي صحيح ان العرب يريدون الحرية، ولكن ليس بالتدمير باسم الحرية، وهم لن ينسوا تصرفات إسرائيل المشينة، وداعميها مهما طال الزمن، ومهما تعامى ساسة أوروبا والولايات المتحدة عن حقوق المدنيين العرب في العيش الحر الكريم دون قتل أو سفك دماء، بأيدي حلف الاطلسي او بايدي إسرائيل.