الفساد هو نقيصة كبرى في الأداء العام سرعان ما تتحول إلى سرطان مستشر يطيح بالأخضر واليابس، ويدمر منظومة الدولة ويزعزع عروش الحكام الذين قد لا يكونون فاسدين وإنما قد يكونون بعيدين عن مسرح الأحداث إلى حد يجعلهم يستنكفون عن الاعتراف بوجود فساد في أنظمتهم او حكوماتهم ويظل الأمر يتفاعل في ثنايا المجتمع حتى تقع الطامة الكبرى. ولعل من أهم المزايا التي قدمتها الصحوة العربية الكبرى التي تجتاح معظم بلدان الوطن العربي منذ مطلع هذا العام هي التركيز على فضح الفساد بكل أشكاله.

تلك الصحوة العربية الكبرى تولد عنها شعور عام قوي بضرورة وضع منظومة متكاملة للوقاية من الفساد في الدول العربية بمشاركة من الأمم المتحدة، وفي إطار من التعاون الاقليمي والدولي لوضع استراتيجيات جادة لمكافحة الفساد وفتح الطريق نحو التنمية والأمن والاستقرار وحتى تتوفر القناعات لدى الشعوب أننا نعيش عصرا جديدا من مواجهة الذات والتطهر من أدران الماضي، حين كانت الأنظمة السياسية تدافع عن جهازها الإداري وتنفي عنه أية شبهة فساد، مما يوقعها في التناقض في المواقف، وإحباط الخطاب الإعلامي والسياسي القائم على أساس الترويج للعدالة الاجتماعية وتذويب الفوارق الشاسعة بين الشرائح الفقيرة وطبقة المتنفذين الذين يستطيعون بعلاقاتهم مع المؤسسة السياسية تكوين ثروات طائلة يصعب إثبات مصدرها في حالة حدوث تحقيق في مصادر تلك الثروة ومدى مشروعيتها.

إن المحاربة الجادة للفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكل أشكال القصور في الأداء العام يعزز أواصر العلاقة بين المؤسسة السياسية الحاكمة وبين الشعب ونزع فتيل الاحتقان ولاشك أن مشاركة السلطنة في هذه الفعاليات الاقليمية والدولية المتعلقة باستراتيجيات مكافحة الفساد يؤشر إلى مدى الجدية التي توليها بلادنا لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة وتعزيز سيادة القانون وتحصين مسيرة التنمية الوطنية التي تتعزز بنيتها التحتية بمرور الأيام وتثبت مع كل أزمة طارئة.

 أن صدق التوجه في مسار الإصلاحات واستئصال الفساد هو الحصانة الكبرى ضد أي تراجع أو توقف لمسار التنمية. وتقوم جامعة الدول العربية من جانبها في إطار تلك المشاركات الجادة من جانب الدول الأعضاء عبر ممثليهم في الجامعة بإعداد اتفاقية عربية لمكافحة الفساد تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهي اتفاقية من المقرر أن تلزم الدول الموقعة عليها بالمبادئ الدينية والأخلاقية النابعة من الأديان السماوية كما وستعزز الاتفاقية من الجهود العربية لصياغة قانون عربي استرشادي لمكافحة الفساد تقوم بمراجعته لجنة مشتركة من خبراء مجلسي وزراء الداخلية والعدل العرب تمهيدا لعرضه على المجلسين الوزاريين للعدل والداخلية حين انعقاد اجتماعاتهما المقبلة.

ويمكن القول بأن تلك الصحوة العربية الكبرى قد أثمرت واقعا عربيا موحدا يعزز العمل المشترك في سبيل فتح آفاق الحياة العصرية المستقرة وتكريس مبدأ الشفافية في التعاطي مع أخطر معوقات التنمية وهو الفساد، فنادرا ما نسمع كلمة (قانون عربي) في معرض الصياغات الصادرة عن الفعاليات العربية المشتركة، وهذا القانون المأمول يعزز بدوره جهود التكامل بل والوحدة العربية الكاملة في مرحلة لاحقة حيث أصبح الفساد ظاهرة تشبه التلوث البيئي الذي يتجاوز حدود الدولة الواحدة ليعشش في كل ثنايا المنطقة وليقضي في النهاية على برامجها التنموية، تماما كما يقضي السرطان المنتشر على الجسد البشري.